خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الجنة ونعيمها

Memberi © Choat Boonyakiat | Dreamstime.com

ذُكرت الجنة في آيات كثيرة، فكانت صفاته مذهبة للعقل والأفئدة، فلا يتخيل المرء ما بها من نعيم مقيم، ولا يستطيع عقل المرء القاصر الوصول إلى جوهرها الحقيقي، فهي نعيم كلها، لا يشبها شيء، ولا يوازي مكان آخر. وقد حفها الله بالمكاره، وهي كل ما يكره الإنسان ويترك ابتغاء مرضات الله، ورغم أن آيات الجحيم والعذاب والحميم كثيرة أيضًا، فإن الله تعالى لم يقنط عباده، وجعل الجنة ونعيمها من الأمور التي تخفف عن الصابرين والصالحين ما يجدونه في دنياهم.

والجنة دار مقر، وهذا بعكس الدنيا التي نحياها فهي دار مفر، لا شك أننا سنتركها يومًا ونذهب، والدنيا لا تدوم لأهلها وإن طال المقام، اليوم نقول مات فلان وغدا نقول مات فلان حتى يأتي اليوم الذي يقول فيه الناس أنك مت. والكل يصير إما إلى جنة يسكنها أو إلى نار يتلظى بها، ولذا كانت الجنة هي الجائزة التي أعدها الله لعباده المتقين، فهم قد عانوا في دنياهم وصبروا على بلواهم وجاهدوا أنفسهم بالطاعات واجتناب المنكرات، فكانت الجنة جزاء وفاقًا لما فعلوه.

ونعيم الجنة يخطف الألباب، فقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في الحديث القدسي بأنها: “قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر“. وهذا وصف كريم يدل على أن الجنة لا يمكن تخيلها أو تخيل ما بها من نعيم، فما بها لم يره البشر قط، ولم يسمعوا به من قبل، ولم يخطر ببال أحد منهم ولو جاهد نفسه في التفكير بشتى الوسائل والطرق. ولذا بقيت الجنة علامة مضيئة يتشوق إليها المؤمنون ويطلبونها من الله في صلاتهم ودعائهم.

ورغم ذلك فإن هناك عددًا من الصفات التي توضح بما بالجنة من نعيم مقيم، ومن أولى الصفات أن الجنة على درجاتٍ أو مراتب، وليست كلها منزلة واحدة، بل إن الإنسان فيها يسكن حسب درجته وعمله، وهو ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن أدنى درجة لرجل من أهل الجنة أن يملك مُلك أغنى ملوك الأرض قاطبة ويضاف إلى كل ذلك عشرة أمثال غناه.

كما أن أهل الجنة يحيون أبدًا فلا يموتون ولا يمرضون ولا يشيخون، يظلون على حالتهم الفتية وشبابهم الناضر، لا يشعرون بالوهن والضعف، فغمسة واحدة في الجنة تجعل العبد ينسى كل ما مرّ به في دنياه من أهوال، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يؤتَى بأشدِّ النَّاسِ بؤساً في الدُّنيا من أَهلِ الجنَّةِ فيُصبَغُ صبغةً في الجنَّةِ فيقالُ لهُ يا ابنَ آدمَ هل رأيتَ بؤسًا قطُّ هل مرَّ بِك شدَّةٌ قطُّ فيقولُ لا واللَّهِ يا ربِّ ما مرَّ بي بؤسٌ قطُّ ولا رأيتُ شدَّةً قطُّ“.

وأهل الجنة يمتازون بالحسن، وزوجاتهم من الحور العين ذوات الحسن والجمال والبهاء، لو أطلت إحداهن بوجها إلى دنيانا لأطفأ نور وجهه ضوء الشمس. رائحتهم المسك، وأمشاطهم من ذهب، لا تبلى ثيابهم ولا شبابهم، ولباسهم من الحرير الخالص، وفُرشهم من السندس والإستبراق. أما مساحتها فقد وصف الله عرضها بأنه كعرض السماوات والأرض، ولنا أن نتخيل طولها وفقًا لهذا العرض الشاسع.

والجنة لها ثمانية أبواب، وهي درجات، ما بين الدرجة وأختها ما بين السماء والأرض، ريحها عطرة وترابها من المسك الخالص، أنهارها من العسل والخمر واللبن لذةً للشاربين، شجرها كثيف وعظيم: “وإنَّ في الجنَّةِ لشجرةً، يسيرُ الرَّاكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها“. “صحيح البخاري“. إن كل ذلك يدل على كثرة النعيم المقيم، وتغير الحال بين دنيانا وآخرتنا، وأن العبرة بالخواتيم، فالسعيد من وفقه الله إلى العمل الخالص وجعل الجنة جزاءه خالدًا فيها أبدًا، والخاسر من سيطرت عليه نفسه, وغلبه هواه, فسقط في الاختبار وأصبح من الخاسرين.