خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحاجب المنصور بن أبي عامر

ID 39495385 © Digikhmer | Dreamstime.com

وهو ابن أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر المعافري: 327 هـ– 392 هـ، كان والده من أهل الدين والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان، وأمه هي بُريهة بنت يحيى من قبيلة بني تميم، فنشأ في هذا البيت نشأة حسنة وظهرت عليه النجابة منذ نعومة أظافره، فتعلم الحديث والأدب، ثم سافر إلى قرطبة ليكمل تعليمه. كان من أعظم مَن حكم الأندلس، وَطِئت خيله أماكن لم تطأها خيل المسلمين من قبل، يكفي ذكر اسم المنصور أمام ملوك قشتالة وليون وجِليقيّة، ليجثوا على ركبهم من الرعب والهلع، لقد خاض خمسين معركة في الأندلس، فلم تنتكس له فيها راية، ولم تهلك له سرِيّة، ولم ينهزم له جيش قط.

كان محمد ابن أبي عامر شابًا ذا طموح كبير وهمة عالية، فقد عمل كاتبًا للقاضي محمد بن إسحاق الذي رأى من نبوغه ما جعله يوصي به عند الحاجب جعفر المصحفي، وكان من تقدير الله له أن ولدت صُبح البشكنجيةجارية الخليفة الحكم المستنصرولدها الأول عبد الرحمن فطلب المستنصر وكيلاً لولده يقوم برعايته، فرشح الحاجب المصحفي الفتي ابن أبي عامر، وقد أُعجب الحكم المستنصر بأخلاق ابن أبي عامر ونباهته وحُسن تصرفه ونبوغه العلمي، فله همّة عجيبة وإرادة قوية، وكان لديه حلم عظيم بأن يصبح حاكم الأندلس، وقد كان له ذلك، حتى إنه لربما قلد أصحابه الخطط والمناصب وهو ما زال في حداثة سنه، ويُخبر أصحابه بهذا والمقربين له.

ظهرت شخصية ابن أبي عامر بعد وفاة الحكم المستنصر، وذلك عندما جاشت الروم وهاجت حتى كادت تطرق أبواب قرطبة، ولم يحرك الحاجب جعفر المصحفي ساكنًا خوفًا على منصبه، فقام محمد ابن أبي عامر بأخذ رجاله وطلب من المصحفي أن يمدّه بالرجال والعتاد والمال اللازم للقيام بحملة لتأديب النصارى، كي يعلموا أنه ما زالت بالمسلمين شوكة ومنعة، فقام المنصور بحملة في الشمال، وغنم السلاح والأموال، وقفل راجعًا إلى قرطبة بعد 52 يومًا من الجهاد، وكان يوزع المال في طريق عودته على الجند والعوام حتى تمكن حبّه من قلوب الناس واستبشروا به خيرًا.

وكان المنصور وصيًّا على الصبي هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر، فقام بإسقاط ضريبة الزيتون عن الناس، ولم تزل الهمة تحدوه فالتف المسلمون حوله في الوقت الذي بدأت أيام الحاجب المصحفي في الزوال، فتولى محمد بن أبي عامر الحجابة للخليفةهشام المؤيد بالله، وتلقب بالمنصور.

وابتدأ معه عهد جديد للأندلس ما عرف مثله من قبل، يقول عنه ابن عذاري: وقعد على سرير الملك وأمر أن يحيّا تحية الملوكومناداته بمولاي وهي أولى خطواته في اتخاذ ألقاب الملك بصفة رسمية بعد أن استأثر بكل صفة فعلية. وكانت أول أعماله أن نكبالصقالبةوأخرجهم من الزهراء أسطورة المدن الأندلسية وتبعد عن قرطبة ما يقارب 8 كم، بعدما فشا ظلمهم وتوحدت كلمتهم بعد المستنصر، وظنوا ألا غالب لهم فاستبدل المنصور بهم البربر.

وكان شديد التدين، قمع أهل البدع، وأقام السنة، وبلغه أن مكتبة الحكم المستنصر بها كتب بعض الفلاسفة والملاحدة التي تنافي أصول الدين، وعلم بانتشارها فقد كادت أن تفسد عقائد الناس، فأمر بحرقها والتخلص منها.

وكان للمنصور سُنّة في غزواته، وهي أن يحمل النصارى بأنفسهم الغنائم إلى قرطبة، وذلك إمعانًا في ذلهم وتدميرًا لكيدهم، وعمل على إذلال الممالك النصرانية والعمل على تأديبهم المستمر، وذلك حتى لا يفكرون إلا في طلب ودّ المسلمين وجوارهم، ومن أجل ذلك أرسل ملك قشتالة ابنته شانجة جارية عند المنصور في قرطبة لينال رضاه، وعندما جاء إلى قرطبة بعد هزيمته مع المسلمين، وفي أثناء مروره بين صفوف العسكر والجند وأهل الخدمة، انخلع قلبه من الرهبة والهيبة حتى ارتعدت فرائصه، ودخل مجلس المنصور، فما إن وقعت عينه على المنصور ابن أبي عامر، حتى هوى على الأرض من فرط هيبته، فقبّل قدم المنصور ويده.

وعندما ينتهي المنصور من الحرب، يعلن نجاح حملته برسالة يبعثها إلى الخليفة، وتُقرأ في الجامع الكبير في قرطبة وفي مدينة الزاهرة والأقاليم والمقاطعات الأندلسية كافةً.