خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحاكم بأمر الله الفاطمي وعجائبه

يكاد لا توجد شخصية حاكم مماثلة لشخصية الحاكم بأمر الله، فقد كان عجيبًا وغريبًا، يأتي بأمور شتى متناقضة، يحرم بعض المأكولات ويأخذ بعض القرارات التي تضحك الثكالى، فلا يعرف إن كان مجنونًا أو عاقلاً.  ولِد المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله، بالقاهرة سنة 375 هـ، من أمّ يونانية الأصل نصرانية الديانة، وهو سادس حكام الدولة العُبيديّة، وتولى الحكم وعمره 11 عامًا، وتلقّب بالإمام المنصور الحاكم بأمر الله، ولما كان قاصرًا وقتئذٍ، فقد قام بالوصاية عليه وزيره العزيز برجوان، والذي كان مملوكًا خصيًّا.

ولما بلغ  الحاكم بأمر الله سن الخامسة عشرة، تولّى مقاليد الحكم فعليًّا، وذلك في ظل سيطرة أخواله النصارى على الدولة، واستهل حكمه بقتل وصيّه على الحكم برجوان. وكانت خلافته متضادة بين الصلاح والفساد. ويذكر المقريزي بأنه أمر الناس بالوقيد، فتزايدوا في الشوارع والأزقة التي زينت بأنواع الزينة، وأوقدوا الشموع طوال الليل، وأنفقوا الأموال الكثيرة والمشارب والغناء واللهو، وغلب النساء الرجال على الخروج في الليل، وتجاهروا بكثير من المسكرات، فلمّا خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء، فإن ظهرت نُكل بها.

ومن عجائبه وتناقضاته أنه ابتنى المدارس وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ثم قتلهم وخربها، وكان يأمر بسبّ الصحابة الكرام، كما يأمر بكتابة ذلك في المساجد، ثم يعود فيأمر بمحو ذلك، وأمر بقتل الكلاب، وحرّم بيع الفقاع (البيرة المُسكرة) والملوخية والسمك وعمله، ثم نهى عنه، وجعل لأهل الذمة علامات يُعرفون بها، وهدم الكنائس، ثم عادت الحال كما كانت عليه.

بنى الحاكم الكثير من المساجد، ومن بينها مسجده الشهير في شارع المعز بالقاهرة، والذي يعد مكانًا مقدسًا لطائفة الإسماعيليةالبهرة“. قال عنه الذهبي: “كان الحاكم جوادًا سمحًا خبيثًا ماكرًا رديء الاعتقاد وسفاكًا، كان عجيب السيرة يخترع كل وقت أمورًا وأحكامًا يحمل الرعية عليها“. وقال عنه ابن تغري بردي: “كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مريدًا كثير التلون في أقواله وأفعاله، وله رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، وكتبوا له الأوراق بالشتم له ولأسلافه في صورة قصص، حتى عمِلوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها، وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها، فلم رأى ما فيها، غضب وأمر بقتلها، فلم تحققها من ورق، ازداد غضبًا إلى غضب وأمر العبيد من السود أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم، ففعلوا وقاتلهم أهل مصر قتالاً عظيمًا لمدة ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم، واجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف وجأروا إلى الله واستغاثوا به، وما انجلى الحال حتى احترق من مصر ثلثها“.

ولقد حيرت مواقف الحاكم العلماء، فاختلفت كلمتهم حول الحكم عليه، فقد رفعه قوم إلى درجة الألوهية، وهم الدروز، واعتقد فيه قوم أنه إمام المسلمين وخليفة رب العالمين، وهم الإسماعيلية الفاطميون، وذهب أكثر المؤرخين إلى أنه كان شاذ الطباع مريضًا بالعقل يأتي بأعمال تضحك الثكلى وتدل على الجنون. ولكن بالنظر إلى مدة حكمه التي امتدت من سنة 386 هـ إلى 411 هـ، يظهر أن الاعتذار عنه بأنه كان مجنونًا، يعد كلامًا لا يلتفت إليه، لأنه من المحال أن يبقى في الحكم شخص مجنون مدةً تصل إلى خمس وعشرين سنة، وإنما كان سلوك الحاكم على تلك الصورة، نتيجة لتأثره بفكرة الألوهية.

وكان أهل مصر إذا قام الحاكم بأمر الله خرّوا سجّدًا، حتى في الأسواق وغيرها، وادعى الألوهية كما ادعاها فرعون فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكره. لقد كان الحاكم غريبًا وعجيبًا في أفعاله، حتى روي عنه أنه حرم على الناس أكلالملوخيةوهي وجبة مصرية معروفة، وإلى غير ذلك من بدع كثيرة.