خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحالة الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية إبان الحكم العثماني

water mill
ID 93839348 © Jeremy Christensen | Dreamstime.com

على الرغم مما تميزت به فترة الحكم العثماني لشبه الجزيرة العربية، من حيث إنها كانت حافلة بالاهتمام بالحرمين الشريفين، فإن تلك الفترة شهدت نوعًا من الجمود والتدهور الاقتصادي، نتيجة لفقد المنطقة مصدرها الرئيس للدخل المتمثل في التجارة العابرة أولاً، وثانيًا لأنماط الحكم والإدارة، وثالثًا لأن المنطقة لم تعد مركز الدولة المسيطر، بل أصبحت ذات أهمية ثانوية باستثناء الحجاز نظرًا لوجود الحرمين الشريفين.

يقول الدكتور عبد العزيز السنيدي: وظلت المنطقة طوال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني في شبه توقف كامل عن التطور والتفاعل مع ما يجري خارجها، بل هو الجمود بعينه، مما يعني التأخر والانحطاط في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فقد تُركت الجزيرة العربية وسكانها يأكل بعضها بعضًا بالحروب والنزاعات القبلية والإقليمية والتناحر على مصادر الرزق المحدودة، باستثناء الحرمين الشريفين، فقد أولتهما الدولة العثمانية عناية خاصة، حيث خصصت معظم موارد مصر على وجه الخصوص للصرف على احتياجات الحرمين الشريفين.

فكان الحجاز مكة والمدينة أفضل البقاع العربية تحت الحكم العثماني من هذه الناحية، ولم تكن بقية أقاليم المنطقة المحيطة بشبه الجزيرة العربية (العراق، والشام، ومصر) بأحسن حال؛ فقد استنزفت موارد مصر من ناحية، وأهملت العناية بمقومات حياتها الاقتصادية من إصلاح زراعي، واهتمام بالري، وتصريف مياه النيل، وتدهورت صناعتها نظرًا لضعف الاستهلاك من ناحية، ودخول المنتجات الأوروبية الرخيصة والجيدة من ناحية أخرى، وتضاءلت تجارتها الخارجية إلى حد كبير. وما قيل عن مصر يقال عن سوريا أيضًا.

أما العراق فقد يكون أسوأ المناطق تأثرًا إبان الحكم العثماني، ومنذ القرن الرابع الهجريالعاشر الميلادي، وهو يتعرض لنكبات متتالية، والتي بلغت ذروتها بالاكتساح المغولي على يد هولاكو وتدمير بغداد سنة 658 هـ، ثم الحملة الثانية على يد تيمور لنك في سنة 796 هـ.

وعند مجيء العثمانيين في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وافق ذلك قيام الدولة الصفوية في إيران على يد مؤسسها (إسماعيل الصفوي)، وقد نشبت الحروب بين الدولتين قرابة قرن ونصف القرن، فكانت سببًا في تدهور أوضاع العراق إلى الأسوأ، حيث تعطلت أسباب الحياة وتدهورت الزراعة وأهملت صيانة مجاري الأنهار وتصريفها، فانتشر الفقر والجهل، وتفشت البداوة، وكادت تنعدم أسباب الحياة المستقرة المنتجة للتقدم والحضارة.

بما يعني أن النشاط الفعلي كان متوقفًا في كثير من المجالات، مما جعل الناس يشعرون بخيبة الأمل وأنهم محرومون من أمور كثيرة، مثل تكثيف الزراعة، والحصول على الغذاء المناسب، وغلب على الحياة السكون والخمول الشديدين.

وقد وصف تلك الأوضاع عالم الاجتماع العراقي الدكتور على الوردي بقوله: “يبدو لي أن المدّ البدوي الأخير الذي شمِل العراق في العهد العثماني، كان أشد وطأة من جميع العهود السابقة، إذ لم يشهد المجتمع العراقي عبر تاريخه الطويل حقبة سيطرت فيها القيم البدوية كتلك الحقبة“. لأن ثقافة المجتمع التي كانت سائدة في تلك الفترة، اتخذت شكلها من الأنشطة التي كان يديرها الناس لتمضية حياتهم اليومية.

لا يمكن الحكم على تلك الفترة بالجمود في كل شيء، فقد تميزت بالعمارة والتشييد ولا سيما في الإطار الديني وخاصة في مكة والمدينة، لقد أعيد بناء الرواق الشرقي من الحرم حينما مال، وتم عمل قباب تتخذ شكلاً معماريًا خاصًا وتقوم على دعامات من الأعمدة، وتم الإنفاق على بعض الأمور الدينية المهمة. إنما كان الجمود في التطوير الاقتصادي لتلك المناطق وعدم استغلالها بالشكل الملائم، بما يعود بالخير على أبنائها، ويحفز من فرص العمل ويحسن الدخل، ويرفع عن الناس الفقر وقلة ذات اليد. ويبدو أن اتساع رقعة الخلافة العثمانية واندلاع النزاعات في كل مكان، كانت سببًا في هذا الجمود الاقتصادي.