خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحجاج بن يوسف الثقفي: ما له وما عليه

في تاريخنا الإسلامي قلما نجد شخصية مثيرة للجدل مثل شخصية الحجاج، نظرًا لما روي عنه من أشياء متناقضة، بين سفك الدماء والجهاد وتعليم القرآن الكريم، وبين ظلمه وجبروته وبين لينه أحيانًا وسكوته، بما خلق حالة من التشتت حول تلك الشخصية وجعلها ظاهرة فريدة في تاريخنا الإسلامي. وهو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي، ولد بالطائف في سنة 40هـ، حفظ القرآن الكريم وكان معلمًا للصبيان بالطائف.

كانت النقلة الكبيرة في حياته حينما قرر ترك الطائف والانتقال إلى الشام، فالتحق هناك  بالقائد روح بن زنباع قائد الشرطة في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، لكنه ظل يبدي استعدادًا غير عادي، وجلد وصبر وعزيمة، فقلده الخليفة أمر العسكر، فأجاد وأظهر شخصية قيادية،  ولم يمض وقت طويل حتى أمره عبد الملك بن مروان بالذهاب إلى مكة وقتال عبد الله بن الزبير، فقام بالزحف إليه وانتصر عليه وقتله وفرق جيشه، فقام عبد الملك بتوليته على مكة والطائف والمدينة.

غير أن الثورة التي كانت مشتعلة في العراق أعطته دورًا أكثر أهمية، فقد ولاه عبد الملك بن مروان أمر العراق كي يخمد الثورة فيها، فدخل الكوفة متخفيًا بين عدد قليل من جنده، فصعد المنبر وخطب خطبة عصماء، صلح له الحال بعدها، وأمر بمحاربة الخوارج وأن من يتخلف يمهله 3 أيام وبعدها يضرب عنقه، ولم يستثنِ من ذلك أحدًا كبيرًا أو صغيرًا.

قام ببناء مدينة واسط ومات بها، وثبت الإمارة في العرق مدة عشرين سنة، لم تشهد سوى بعض القلاقل البسيطة التي لا تذكر، فلم يكن يتهاون في شيء، فمن أحس منه شيئًا قتله ولا يبالي بشيء. ويذكر أنه في جملة حكمه قتل أكثر من 120 ألف نفس، بخلاف من مات في الحروب والغزوات. وهو عدد مهول يدل على ظلمه وجرأته على دماء المسلمين، حتى إن جارية قال بعد موته: “ألا أن مطعم الطعام، ومُيتم الأيتام، ومُرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات”، فعرف من قولها أنه قد مات.

كانت لهم أعمال حسنة، أبرزها قتاله الخوارج وتخليص العراق منهم وتشتيتهم في الأرض، كما أنه أحل السلام في البلاد لمدة طويلة من الزمن دون صراعات أو فتن، بجانب فتوحاته الكثيرة وتسييره للجيوش في أصقاع عدة، حتى وصلت جيوش المسلمين إلى بلاد السند، كما قام بعملية نقط المصحف لإظهار الألفاظ وعمم مصحفًا واحدًا على الأمصار اعتمد فيه على قراءة سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه، وكان مغدقًا للمال على أهل القرآن محبًّا لهم، وقيل عنه إنه حين مات لم يترك إلا 300 درهم ليس إلا، فلم يكن من أهل الأموال والثروات.

كما يذكر من مآثره أنه كان شديد الحرص في اختيار ولاته على الأمصار وعماله، بحيث يكونون من أهل الكفاءة والقدرة في القيام بالأعمال، وكان يراقب ما يقومون به، فيمنع تجاوزاتهم ويمدح خصالهم الحسنة، وكانت لسياسته الحازمة أثرها في استقرار الأمن وتطهير البلاد من اللصوص وقطاع الطرق والعصابات التي تروع أمن المسلمين. كما ساهم الحجاج في تعريب الدواوين وفي بعض الإصلاحات النقدية وضبط العملة ومعيارها، كما قام ببعض الإصلاحات في الزراعة، فحفر الأنهار وشق القنوات، واهتم بفئة الفلاحين، ووفر لهم ما يحتاجون له من مال وحيوانات وكل ما يعينهم على الاستمرار في الزراعة وفلاحة الأرض.

أصيب في آخر حياته بداء شديد في بطنه، سمي هذا الداء بالأكلة، فأُحضر له الطبيب، فوضع قطعة من اللحم في فمه، فخرجت بعد مدة به دود كثير، وظل يعاني حتى مات في سنة 95هـ. وقد أمر بأن يدفن سرًا حتى لا ينبش قبره.