نشرة SalamWebToday
قم بالتسجيل كي تصلك أسبوعيًا مقالاتنا في SalamWebToday!
نعتذر منك، حدث خطأ بسبب:
باشتراكك، أنت توافق على شروط سلام ويب و سياسة الخصوصية
النشرة الفنية

الحجر الصحي في الإسلام

صلاة 30 Rabi Al Thani 1442 AH
الحجر الصحي

يعد الحجر الصحي أحد أهم الوسائل الوقائية التي يتم اللجوء إليها عند انتشار الأوبئة والأمراض المعدية التي تنتقل عن طريق التعامل بين الناس، وقد جاء الإسلام بمنهج فريد في التعامل مع تلك الجوائح التي عانى منها البشر على مدى تاريخهم الطويل.

الحجر الصحي والخلفية التاريخية

مرَ البشر بالعديد من الجوائح والأمراض والأوبئة التي أكدت جميعها على فاعلية الحجر الصحي ودوره الفعال في التقليل من حدة انتشار الأوبئة وفي بعض الأحيان حصرها والقضاء عليها، وعند استعراض التاريخ البشري سنتأكد أن الإنسان قد تعرض لعدة أوبئة وأمراض كانت سببًا في حصد أرواح الملايين، ومن أشهر الجوائح التي مرت على الإنسان طاعون أثينا الذي وقع عام 450 ق.م واستمر خمس سنوات ويقال إنه قد قضى على عدد كبير من سكان أثينا وما حولها، حيث قدر عدد القتلى بمائة ألف قتيل، ومن الأوبئة الخطيرة التي عاشتها البشرية كذلك الطاعون الدبلي الذي وقع أيام حكم الإمبراطور جستنيان حتى سمي الطاعون باسمه (طاعون جستنيان) وقد تسبب هذا الطاعون في موت الآلاف حيث قدر عدد من قضوا فيه ب 10% من سكان العالم آنذاك.

ولم تنته قصة الطاعون عند هذا الحد فهناك الموت الأسود الذي اجتاح القارة الأوروبية في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي وقضى على أعداد كبير من سكان القارة وصلت في بعض الإحصائيات إلى نصف سكان القارة، وبالانتقال إلى العصر الحديث فإن العالم قد شهد أوبئة مدمرة من أخطرها الإنفلونزا الإسبانية التي وقعت مع نهايات الحرب العالمية الأولى، وتسببت في قتل ما يقارب 100 مليون نسمة، في الوقت الذي كان عدد سكان العالم فيه 500 مليون نسمة.

وإذا أردنا التأكيد على خطورة الأوبئة فلا أدل على ذلك من جائحة كورونا (كوفيد -19) المستجدة التي ظهرت في أواخر عام 2019 وخلفت ما يقارب مليونًا ونصف من الضحايا ونحن الآن في نهايات 2020، ولا ندري ما الذي تخبئه الأيام فيما يتعلق بتلك الجائحة، وكل ما سبق يؤكد أهمية الاعتماد على الحجر الصحي كأحد أهم السبل التي يمكن من خلالها التغلب على الجوائح التي تعاني منها البشرية.

ما هو الحجر الصحي؟

الحجر الصحي هو ذلك المكان الذي يتم عزل المرضى بأمراض معدية فيه من أجل ضمان عدم اختلاطهم بغيرهم أو اختلاط غيرهم بهم، مع توفير سبل الرعاية اللازمة لهؤلاء المرضى، وقد يكون للحجر الصحي مدة معينة يتعافى فيها المريض.

لعل هذا المفهوم هو المفهوم الأوضح والأشهر للحجر الصحي، لكن مفهوم الحجر الصحي أصبح الآن أوسع وأعمق حيث يخضع الأصحاء أيضًا للحجر الصحي حتى لا ينتشر المرض، وقد سمعنا في الآونة الأخيرة عند ذروة تفشي كورونا أن كثيرًا من البلاد قد أعلنت الإغلاق العام، وفرض حظر تجوال تام من أجل السيطرة على الوباء.

إن التطورات التقنية والتكنولوجية قد حتمت تطبيق الحجر الصحي على الأصحاء، وغالبًا ما يكون ذلك في بيوتهم وأماكن إقامتهم، أما المرضى الذين تقدم بهم المرض فإنهم يوضعون في أماكن مخصصة تتوفر فيها كافة الإجراءات الاحترازية من أجل ضمان السيطرة على الوباء.

موقف الإسلام 

إن الحجر الصحي هو أحد التدابير الوقائية التي جاء الإسلام ليؤكد عليها في مجال مواجهة الجوائح والأمراض، وقد عانى العالم الإسلامي من بعض الجوائح في تاريخه، من أبرزها طاعون عمواس، الذي ظهر في خلافة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وتسبب في استشهاد عدد كبير من المسلمين منهم عدد من صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وقد جاءت التوجيهات النبوية لتؤكد أن الحجر الصحي وسيلة فعالة لحصر الوباء وتقليل حدته.

لكن قبل الحديث عن موقف الإسلام من الحجر الصحي ومنهجه في التعامل مع الأوبئة لا بد من الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية مفاده، أن المرض والوباء لا قدرة له على الانتشار وإيصال الضرر للناس إلا بإذن الله تعالى كما قال –صلى الله عليه وسلم- :

“لا عدوى ولا طيرة” (أخرجه مسلم في صحيحه)

ومعنى الحديث أن العدوى لا قدرة لها على نشر المرض بين الناس، لكنها تحدث بأمر الله تعالى، وقد جاء الإسلام ليصحح بعض الاعتقادات التي انتشرت بين أهل الجاهلية الذين كانوا يعتقدون أن العدوى تؤثر بذاتها، وكانوا أيضًا يتطيرون وهو نوع من أنواع التشاؤم لوجود علامات معينة تظهر لهم.

ومع أن الإسلام يقرر أن العدوى لا تؤثر بذاتها إلى أنه يقرر أيضًا ضرورة الأخذ بكافة الإجراءات الاحترازية من أجل التغلب على الأوبئة، مع الاعتقاد التام أن كل شيء يقع بأمر الله تعالى، وأنه سبحانه وتعالى لو كتب شيئًا على الإنسان فإنه يحدث لا محالة، ولو لم يكتبه عليه فلا وقوع له بحال من الأحوال.

أقوال ثابتة

ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

“فرّ من المجذوم فرارك من الأسد” (أخرجه البخاري في صحيحه)

وهذا الحديث يدل دلالة قاطعة على أن الإسلام يدعو الناس إلى الأخذ بإجراءات السلامة والوقاية من الأمراض، ومع ذلك فلا بد على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن المجزوم لن يعديه إلا إذا شاء الله ذلك، فالمسلم يأخذ بالأسباب ويتوكل على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى ويؤمن بقضائه وقدره.

ومن التوجيهات الإسلامية التي جاءت لتقرير الحجر الصحي ما ثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في قوله: “لا يورد ممرض على مصح” (أخرجه البخاري في صحيحه)، ويلاحظ أن هذا الحديث يأمر بعدم تعامل المريض مع الصحيح، أو بمعنى آخر بضرورة عزل المريض خاصة إذا ما كان مرضه معديًا كما هو الحال عند انتشار الأوبئة والجوائح المعدية، وقد  اتفقت كلمة العلماء على أن التوجيه النبوي السابق من أفضل التوجيهات التي تمكن من التغلب على المرض والوباء، وهو أيضًا الوسيلة الأولى الفعالة التي يوصي بها الأطباء في التغلب على المرض.

طاعون عاموس

ومن التوجيهات الإسلامية التي تؤكد أهمية الاهتمام بالحجر الصحي ما ثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا سمعتم به (الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه” (أخرجه البخاري في صحيحه)، ولعل هذا الحديث هو الأصل في باب الحجر الصحي في الإسلام، وقد ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث في وقت لم يكن الطاعون قد ظهر فيه في جزيرة العرب، ولم يكن ثمة انتشار لطاعون في بلاد أخرى في وقته، لكن شاء الله تعالى أن يحتاج الصحابة بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى تطبيق هذا الإجراء المهم وهو الحجر الصحي.

ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ظهر طاعون عمواس في بلاد الشام، فأراد الخروج إليها فأشار البعض عليه بألا يدخلها وأشار عليه آخرون بأن يدخلها فإن قدّر الله شيئًا فإنه واقع لا محالة، فما كان من عمر بن الخطاب إلا أن مال إلى الرأي الذي يدعوه للرجوع وعدم دخول بلاد الشام، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله، فرد عليه عمر بن الخطاب: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، وجاء بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف فحدثهم بحديث الطاعون السابق ذكره، والذي يدعو صراحة إلى الحجر الصحي من أجل الحفاظ على سلامة المجتمع وأمنه وأمانه.

إن الحجر الصحي في الإسلام من الأسس العظيمة التي جاءت الشريعة الإسلامية بتقريرها ودعوة الناس للالتزام بها، لضمان التغلب على الأمراض والأوبئة وحماية أفراد المجتمع وسلامتهم.

المراجع:

  • فتح الباري: الحافظ ابن حجر العسقلاني.
  • شرح مسلم: الإمام النووي.