خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحسد الذي يفتك بالجميع

hala-al-asadi-lSHPFm8I2Tw-unsplash
Hala Al Asadi-Unsplash

يعد داء الحسد من الأمراض التي ابتليت بها الأمة، وهو سواد في القلب وظلمة كبيرة محدقة بصاحبها، ولنتعرف على تلك القصة التي توضح لنا أثر الحسد على الفرد والمجتمع:

كان هناك أخوان يعيشان معًا في مكان واحد ويأكلان من زاد واحد، كل منهما له شخصيته المستقلة، لكن تجمعهما الأخوة، ويبحثان دائمًا عن العمل والكسب، اغترب كل منهما إلى مدينة مختلفة بحثًا عن المال الوفير والكسب الحلال، وتركا أسرتيهما في ذلك البيت الصغير، ومرت الأيام والكبير يشعر بالتحسن أم الصغير فإنه يرى نفسه قد ضاع مجهوده وسنواته في مبالغ زهيدة لا تكفي لإقامة حياته بالشكل الأمثل، لكنه مع ذلك لم يقل شيئًا، وظل صابرًا مغدقًا على الأسرة جميعًا مما يملك، ومرت الأيام وبدأت الأحوال تتحسن مع الأخ الأكبر أكثر وأكثر، حتى بدأ في إقامة المشروعات، أما الأخ الصغير فكان فرحًا بما يحققه أخوه الأكبر من نجاح، وبدأ هو الآخر يستقر في بلدته وفكر مثل أخيه في استثمار بعض المال في التجارة.

كان الأخ الأكبر يزداد ثراء مع الوقت، أما الأخ الأصغر فقط كان يتطور ببطء شديد لكنه كان صبورًا جدًا، وتحمل الصعاب. وذات يوم أغفل الأخ الأكبر تجارته قليلاً وأخذ يتمتع بالمال دون حساب، اشترى بيتًا جديدًا واسعًا، وجعل لأبنائه ممتلكات كثيرة، وكان المحيطون به ينظرون إليه بحسد وحقد، وهنا بدأت تجارته في التراجع، وعامًا وراء آخر خسر الأخ الأكبر كل شيء، وأصبح لا يملك إلا بعض الأراضي والممتلكات، وهنا بدأ في بيعها لتسديد الديون، وبعد مدة عاد الأخ الأكبر للعيش في البيت الصغير مع أخيه ثانية، لكنه وجد البيت هذه المرة كبيرًا للغاية، لقد اتسعت مساحته، وأصبح جديدًا، فقد قام أخوه بتجديده وتوسعته، لأنه بيت العائلة ويجب أن يسع الجميع. لم يدخر الأخ الأصغر جهده في إعانة أخيه، لكنه رغم ما يفعل من خير، لم يجد رضا من أخيه أو من أبنائه، وبدلاً من كلمة شكر بدؤوا يقولون له: لماذا ربحت تجارتك وخسرت تجارتنا؟ ما الذي يميزك، وبدأت رحلة الكراهية والحسد تتزايد، واشتدت الخلافات، فهم لا يصحون على شيء إلا ويحسدون عمهم. وجد الأخ الأصغر أن الحياة أصبحت لا تطاق، فرحل وترك لهم البيت كله، ومع ذلك عين لهم راتبًا شهريًا يكفيهم، لكنهم ظلوا على حسدهم ونكرانهم للجميل.

تلك القصة تظهر لنا أن الحسد لا حد له لأنه عبارة عن مشاعر سوداوية قاتلة، وبذرة خبيثة إذا نمت لا تموت بسهولة، وأن الحسد من الأمور المنتشرة حتى بين أفراد الأسرة والواحدة، وهو يحول الحياة إلى بيئة غير صالحة لما يخلفه من آثار كثيرة، فهو على صعيد الفرد يكون كالجمرة المتقدة التي تأكل بعضها في صدر الحاسد، والذي يشعر أن الآخرين أفضل منه في أشياء هو أحق بها، إنه بذلك لا يرضى بقضاء الله وقدره في توزيع الأرزاق والفضل بين عباده، وتلك مشكلة كبيرة، إضافة إلى أنه يجعل المرء يلقي باللوم على الآخرين وعلى الظروف، دون أن يلوم نفسه على ما وصل إليه من حال.

الأمر الآخر أن الحسد يعد بذرة كراهية في المجتمع، تعمل على تفريق قلوب أبنائه وتشتيتهم، بما يجعل الأحقاد تسود بينهم بدلاً من الحب والسلام والمودة والتلاقي، لذا نجد المجتمع مفككًا داخليًا، ولا يوجد فيه ما يؤلف بين أبنائه. ولو فكر الحاسد فيما يحدث غيره من أثر، دون أن تعود عليه فائدة غير الذنب الكبير، لما تجرأ على تلك المعصية، ولما أصبح على تلك الشاكلة. إن الحاسد يتمنى زوال النعمة عن غيره مع علمه أنه لن تصل إليه، إنه يريد الفناء لغيره دون أن يطيل ذلك في عمره، ويريد ضياع المال عن ممتلكيه، وهو يعلم أنه لن يستفيد منه شيئًا. لذا وجب الحذر لأن الحسد نار تأكل بعضها، وجمرة خبيثة في جسد الأمة.