خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحسن بن صافي ودوره في وضع أصول النحو

هو أحد أبرز علماء النحو عبر تاريخه، له فيه باع طويل ودراية وحفظ وإجادة حتى لُقب ذات يوم بملِك النحاة كافة. ولد في بغداد ودرس بها الفقه وأصوله على المذهب الشافعي، وكانت له أسفار وطواف في البدان فسافر إلى خرسان وعدة مدن أخرى واستقر به المقام بمدينة واسط بالعراق بعد ذلك. إنه أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة. ولد في سنة 489 هـ في الجانب الغربي من بغداد في شارع دار الرقيق.

 ذكره العماد الكاتب في “الخريدة” فقال عنه: “كان من الفضلاء المبرزين، وحكى ما جرى بينهما من المكاتبات بدمشق، وبرع في النحو حتى صار أنحى أهل طبقته، وكان فهمًا فصيحًا ذكيًا إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه، لقب نفسه بملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك. وخرج عن بغداد بعد 520 هـ، وسكن واسط مدة، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدبًا كثيرًا، واتفقوا على فضله ومعرفته”.

وكان ذا تبحر في العلم، فلم يتوقف عند النحو فقط، بل جمعه معه الكثير من العلوم الشرعية، فقد ذكره أبو البركات ابن المستوفي في “تاريخ إربل” فقال عنه: “ورد إربل وتوجه إلى بغداد فسمع بها الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهني، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان صاحب “الوجيز” و”الوسيط” في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، وكان الفصيحي قد قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب “الجمل الصغرى”. وقد دلّ ذلك على مقدار تبحره في العلوم وعلى سعة اطلاعه وحبه وشغفه بطلب العلم، فلم يتوقف على علمه الرئيس وهو النحو، ولكنه جمع إليه عدة علوم أخرى، مثل: الحديث، الفقه، الأصول، والخلاف بين المذاهب.

 سافر أبو نزار الحسن بن صافي إلى خراسان وكرمان وغزنة، ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق. ودل ذلك على كثرة أسفاره وتنقله من مكان إلى آخر. وقد توفي في دمشق يوم الثلاثاء ثامن شوال، ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة 568 هـ، وقد ناهز الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير. وله مصنفات كثيرة في الفقه والنحو، منها: كتاب الحاوي، وكتاب العمدة، وكتاب المعتضد في التصريف، وكتاب أسلوب الحق في تعليل القراءات العشر وشيء من الشواذ، وكتاب التذكرة السفرية، وكتاب العروض، وكتاب الفقه على المذهب الشافعي وقد سماه الحاكم، وكتاب مختصر الفقه، وله ديوان شعر، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة، ومن شعره:

سلوت بحمد الله عنها فأصبحت … دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها

على أنني لا شامت إن أصابها … بلاء، ولا راض بواش يعيبها

ومن مدائح الحسن بن صافي للنبي صلى الله عليه وسلم، قوله:

للهِ أخلاقُ مطبوعٍ على كَرم … ومَنْ به شَرَفُ العَلياءِ والكَرمِ

أغرُّ أبلخُ يسمو عن مساجله … إذا تُذُوكرتِ الأخلاقُ والشيمُ

سَمت علاك رسولَ الله فارتفعت … عنِ أن يشيرَ إلى إثباتِها قَلمُ

يا مَن رأى الملأ الأعلى فراعهم … وعَاد وهو على الكونين يحتكمُ

يا مَن أعادَ جَمال الحقِّ متضحا … من بعد أن ظوهرت بالباطلِ الظُلمُ

علوتَ عن كلِ مَدح يستفاض فما … الأغلال إلا الذي تَنحوه والعظم

على علاك سلام الله متصلاً … ما شِئته والصلوات تبتسمُ

 وله شعر كثير جيد، ويمتاز بالرصانة والجزالة اللفظة وحُسن النظم. ومما يروى عنه أن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، قد خلع عليه ذات يوم خلعة حسنة، فظهر بها بين الناس في فرح وسرور، ولما وصل مكانه للجلوس قال للناس: “في حلقتي رجل عظيم القدر، شائع الذكر، ملك في زِيِّ سوقة، أعلم الناس، وأكرم الناس، وأجمل الناس، فأرني إياه”. فلم يخرج له سوى تيس كان بصحبة رجل من الحاضرين، فوهب صاحب التيس تلك العباءة، ولما عاتبه نور الدين قال له: يا مولي عذري واضح، فهذه المدينة فيها مائة ألف تيس، لم يعلم قدري سوى ذلك التيس. فضحك نور الدين محمود وسكت.

 

المراجع:

  • تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر.
  • وفيات الأعيان، ابن خلكان.