الحضارة الإسلامية وأثرها في الفكر الغربي

الإسلام 11 Rabi Al Thani 1442 AH Contributor
الحضارة الإسلامية

لعبت الحضارة الإسلامية دورًا فاعلاً ومؤثرًا في الفكر الغربي، فقد تعرّف الغرب على الحضارة الإسلامية منذ قرون مضت، واستطاع من خلالها أن يحول عصوره المظلمة (العصور الوسطى الأوروبية) إلى نقلة حضارية حديثة بعد ذلك. لقد استطاع الغرب أن يقتفى أثر كل علم نافع سواء كان إسلاميًّا أو عربيًّا وأن ينقله إلى بلاده، ولم يكتف بذلك بل إنه طبق تلك العلوم على واقعه وأخذ يطور الأفكار ويستند إلى الأصول العلمية الإسلامية، حتى وصل بالعلم والمعرفة إلى ما هي عليه الآن.

الحضارة الإسلامية والغرب

لقد أفاد الغرب من الحضارة الإسلامية من خلال عدة طرق مهمة؛ فقد استطاع نقل العلوم الإسلامية من خلال الترجمة عن الكتب المكتوبة بالعربية وغيرها من لغات الدولة الإسلامية، سواء من خلال ابتعاث الطلاب الغربيين إلى الشرق الإسلامي، أو عن طريق شراء نسخ من الكتب البارزة وترجمتها. ثم كانت الحروب الصليبية هي الناقل القوى للحضارة الإسلامية، حينما تأثر المقاتلون الصليبيون بالإسلام، ونقلوا كل شيء شاهدوه إلى بلادهم، بالإضافة إلى الكتب التي قرأوها أو ترجموها، والمعايشة القريبة من أهل الإسلام. يضاف إلى ذلك تأثير الأندلس الإسلامي ودوره الكبير في تعريف الغرب بالحضارة الإسلامية.

لقد حدث انقضاض على الحضارة الإسلامية من قِبل الغرب في القرن الثاني عشر وما تلاه، حيث أصبح الشرق الإسلامي هدفًا للغرب الجاهلي في ذلك الوقت، والذي كان يعيش أسوأ عصوره على الإطلاق، لقد كان الوضع هناك مزريًا؛ فالأرض كلها كانت ملكًا لطائفة الإقطاعيين والنبلاء، أما غالبية الناس فمن الأقنان (العبيد) الذين يعملون في تلك الأراضي بلا ثمن سوى قوت يومهم، ويتعرضون للمهانة والضرب، وكان أغلبهم يموت في سن صغيرة نتيجة الأمراض والشقاء والإهمال.

من ظلام إلى نور

وكانت أوروبا كلها تغوص في جهل مطبق، وكانت الكنيسة تمتلك سلطة مطلقة، ولديها ضياع كبيرة خاصة بها، فراكمت الثروات الطائلة وأصبحت قوة لا يستهان بها، ولذا لما جاءت فكرة الحروب الصليبية كانت هي سيدة القرار، ومع ذلك فإن المؤرخين يذكرون أن القساوسة كانوا أميين، ولا يعلمون شيئًا من القراءة ولا الكتابة.

 لقد استطاع الغرب تطويع العلم الإسلامي والحضارة الإسلامية لصالحه، فأخذ الكتب من المشرق الإسلامي وقام بترجمتها، وأخذ بعضٌ ممن ذهبوا إلى بلاد الإسلام وتعلموا فيها، بشرح تلك الكتب وتدريسها، فلما أصبح لديهم قاعدة من المعارف الأساسية التي لم تكن موجودة لديهم، إذا بهم يحاولون الإفادة من تلك العلوم والتبحر فيها أكثر، وهنا كانت أوروبا والغرب يتجهان إلى إنتاج معرفة متولدة في الأساس عن العلوم المأخوذة من الحضارة الإسلامية، وبذلك استطاعوا بعد عمل شاق أن يقدموا العلم الإسلامي في ثوب جديد وكأنه لم يكن موجودًا من قبل، ولكي يكملوا خطتهم فإنهم ألبسوا ما أخذوا ثوبًا جديدًا ومصطلحات غربية من اختراعهم.

مناحي التأثير

ورغم ذلك فقد اعترف كثير من علماء الغرب اليوم بأنهم قد تأثروا بالحضارة الإسلامية وبالعلماء المسلمين الأوائل، وبأن كل العلوم التي بين أيديهم الآن يعود الفضل فيها إلى المسلمين الأوائل. وذلك ناتج لما أبدعه العلماء المسلمون، إذ لا يستطيع أحد أن ينسى العلوم التي خلفها هؤلاء العظماء أمثال: ابن الهيثم، والخوارزمي، والإدريسي، وعباس ابن فرناس، وابن خلدون، والبيروني … وغيرهم.

لقد استطاعت الحضارة الإسلامية الفتية أن تُقدم للبشرية جمعاء علوم الدين والدنيا معًا، وأكبر شاهد على ذلك نجده في الأندلس، إذ كان أهل مملكة قشتالة يرسلون أبناءهم إلى مدن الأندلس المسلمة (قرطبة، غرناطة، طليطلة…) لكي يتعلموا الطب وكل العلوم الأخرى، ثم يعودون بعد ذلك لينقلوا ما تعلموه إلى بلادهم. وقد كانت لغة العلم حينها هي اللغة العربية، ويحتاج المتعلم أن يدرسها ويتقنها أولاً قبل أي شيء آخر ليسمح له بتلقي العلم. لقد كانت الحضارة الإسلامية إذن هي النور الذي هبط على الغرب فأثر فيه وأنار لأهله الطريق المظلم الذي كانوا يسيرون فيه على الدوام، فتبدل حالهم وأصبح على ما هو عليه الآن من ازدهار في علوم شتى.