خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الخطيب الملثم يصل الكوفة ويلقي خطبته الأولى

© Wirestock | Dreamstime.com

وصل الخطيب الملثم الكوفة وهي في أشد حالات اضطرابها، ولم يكن يصطحب معه غير عدد قليل من الحراس ممن يعينونه على الدخول إلى ساحة المسجد. وصل في مشهد مهيب دون أن يعلم به أحد، وبدأ كل من في المسجد يلتفتون إليه، ولا يرون وجهه، ولا يسمعون له حسًّا، فأخذ بعضهم يتندر من الموقف، وظن البعض الآخر أن الخليفة عبد الملك بن مروان قد أرسل رجلاً أصم وأبكم لا يقدر على شيء، وظن آخرون أن الرجل به تشوهات في وجه يخفيها، ولم يفطنوا إلى حيلته إلا بعد أن رفع اللثام وانهال عليهم بسيل من الكلمات الرنانة والقوية الآخذة بلباب قلوبهم، فأصابهم الخوف والهلع.

فمن هو الخطيب الملثم الذي وصل الكوفة في حكم عبد الملك بن مروان؟ إنه الحجاج بن يوسف الثقفي، المولود في سنة 40 ه بالطائف، اسمه الحقيقي هو كُليب، ولكنه غيّر اسمه بعد ذلك إلى الحجاج، كان معلمًا للصبيان في بداية حياته، يدرسهم القرآن والحديث، لكنه لمّا أحس ببعض الأمور غير المريحة ممن كان يبعثهم عبد الله بن الزبير إلى الطائف، قرر الرحيل إلى الشام والالتحاق بشرطة عبد الملك بن مروان، وكانت الفرصة مواتية لأنه وجد الشرطة في مرحلة خمول وكسل، فظل يجتهد حتى حانت الفرصة فتولى تنظيم العسكر، فاشتد عليهم، وأعاد تنظيمهم وجعلهم في حالة فريدة، ولاحظ الخليفة ذلك فاكتسب مكانة لديه، وعندما بدأ الخليفة يفكر في أحد يرسله لقتال ابن الزبير لم يجد من هو خير منه، وبعد نجاحه في المهمةرغم ما أصاب المسلمين فيها من ويلات، وأصاب الكعبة من ضرر، جعله الخليفة وليًا على مكة والمدينة، ثم لما استعرت العراق بالفتنة وكره الناس في المدينتين الشريفتين حكمه، قام الخليفة بتوجيهه نحو العراق، فنزل إلى الكوفة ملثمًا مع بعض رهطه.

وقد قام هذا الخطيب البليغ بأداء خطبة شماء لا مثيل لها في إخضاع الناس وإخماد ثائرتهم، حتى إنها أصبحت مضربًا للمثل، وقد ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين بالصيغة التالية:

حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد، عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: خرج الحجاج يريد العراق واليًا عليها، في اثني عشر راكبًا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، فقال: عليّ بالناس! فحسبوه وأصحابه خوارج، فهموا به، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه، ثم قال:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا         متى أضع العمامة تعرفوني

أما والله إني لأحتمل الشرّ بحمله، وأحذوه بفعله، وأجزيه بنعله، وإني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى. إني والله يا أهل العراق، والشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، ما أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. إن أمير المؤمنين كبّ كنانته ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها عمودا، فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم في الفتن، واضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغيّ. أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت. فإياي وهذه الجماعات وقال وقيل، وما تقولون؟ وفيمَ أنتم وذاك؟ أما والله لتستقيمنّ على طريق الحق أو لأدعنّ لكل رجل منكم شغلاً في جسده. مَنْ وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله(الجاحظ، البيان والتبيين، ج 2، ص 210- 212) .

ولم يتخلف أحد عن بعث المهلب الذي ذكره الحجاج، وأخذ الناس بشدة لم يعرفوا مثلها من قبل. لقد كانت خطبة بليغة بعيدًا عن أحداثها، ومعبرة عن سياسة الحجاج بعد ذلك في العراق.