خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الخلافات الاجتهادية بين الصحابة

ID 129575965 © Hasbi Sahin | Dreamstime.com

مثلت الفترة التي مرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم، البداية الحقيقية لظهور الاجتهاد بين الصحابة في مسائل لم يكن يسألون عنها لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حال صحته، وازداد الأمر بعد موته صلى الله عليه وسلم، وهي في مجملها أمور ليست قصدًا للخلاف بذاته، ولا ينتج عنها إثارة الشبهات، بل كانت من دافع الحرص على الدين والمنهاج القويم. ونحاول هنا التوقف أمام بعض الخلافات الاجتهادية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لندرك فحواها وظروفها وما ترمي إليه.

ففي مرض النبي صلى الله عليه وسلم حدث أول تنازع بين الصحابة، فقد روى الإمام البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، أنه قال: “لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذى مات فيه قال: “إِئْتُوني بِدَوَاةٍ وقِرْطَاسٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تضلوا بعدي”، فقال عمر رضى الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “قوموا عنِّي لا ينبغي عندي التنازع”. قال ابن عباس: الرَّزيّة كل الرَّزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وتبع ذلك التنازع، تنازع ثان حول خروج جيش أسامة، والذي أخذ أوامره قبل مرض النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم في مرضه: “جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه”، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره – وأسامة قد برز من المدينة-، وقال قوم: قد اشتد مرض النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره”.

والحقيقة أن الناظر في هذين الخلافين سيجد أنهما لم يكونا ذا شأن كبير، ولم يكن الغرض منهما فُرقة المسلمين، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم من شدة تعلقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، قد أحسوا بمرارة في فراقه وهو على تلك الحال من المرض، كما أنهم لم يريدوا إتعابه في مرضه بأن يكتب شيئًا لهم، لأنهم كانوا على ثقة بشفائه، ودل ذلك حينما وقع بينهم خبر وفاته فكادوا يطيشون لولا حكمة الصديق رضي الله عنه، فقد قال عمر بن الخطاب: من قال أن محمدًا قد مات قتلته بسيفي هذا، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام. وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت ولن يموت. وقرأ قول الله سبحانه وتعالى: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم…”، إلى آخر الآيات، فهدأ القوم وعادوا إلى رشدهم.

ثم كان الخلاف الأكبر بعد ذلك حول تولي الإمامة، إذ اختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، ليكون هو الأمير في الأنصار، فاستدركه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما في الحال، بأن حضرا سقيفة بنى ساعدة وقال عمر: كنت أُزوِّر “أنمق” في نفسى كلامًا في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه “اكفف” يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسى كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدى إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة”.

وهكذا سكن أكبر خلاف اجتهادي بين الصحابة في تلك المدة، ألا وهو لمن تكون الإمامة؟ لكن عندما جرت البيعة في السقيفة وهدأ الأنصار، أصبح الأمر سهلاً، فعاد أبو بكر الصديق إلى المسجد وبايعه الناس كافة عن رغبة منهم ورضا. وهكذا رأينا أن الخلافات كانت اجتهادية في مضمونها لا تهدف إلى التفريق بين المسلمين، بل كان هدفها الحفاظ على المنهج الإسلامي القويم، فرضي الله عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين.