خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الخليفة هارون الرشيد يبكي على قبر ابنه الذي لم يره

ID 33354935 © Mawardibahar | Dreamstime.com

اتخذ هارون الرشيد في بواكير حياته زوجة فقيرة لنفسه سرًّا عن أبيه وأهل قصر الخلافة، ولما كانت الزوجة من طبقة معدمة، وكان هارون يجد تجبرًا من أخيه موسى في أمور كثيرة، فإنه خشى على تلك الزوجة، وخشي على نفسه، فقرر أن ينقلها مع ابنها أحمد من أطراف بغداد إلى البصرة، وأعطاها ما يعينها على ذلك وطلب منها الكتمان وأنت تأتيه بولده إذا ما علمت أنه جلس على عرش الخلافة، وزودها بخاتم له. لكن هل الزوجة استطاعت الوصول إليه يومًا؟ لا لم تستطع وماتت دون ذلك غريبة. وخلفت ابنها وابن هارون الرشيد أحمد وحيدًا في البصرة، يحاول الوصول إلى أبيه. ولذلك قصة غريبة نرويها معنا هنا.

بعد أن تولى هارون الرشيد الخلافة بعد موت أخيه موسى المفاجئ، ومما يقال أن أمه قد دست له السم على عشاء أعدته له خصيصًا، بسبب تعنته وخروجه على رأي الجماعة، ومحاولته تولية ولده وليًا للعهد بدلاً من أخيه هارون. أخذ يبحث عن زوجته الأولى التي أخفاها عن جميع من حوله، ولكن كان مخطئًا فقد كانت أمه وخاصة في بدايات حكمه تسيطر على القصر بمن فيه وتدير الأمور بحنكة من وراء الستار، لذا فإنها من خلال عيونها قد علمت بأمر المرأة وابنها، ولم يكن ذلك في صالحها، لأنها خططت بأن يكون الملك في ذرية هارون من امرأة حرة من بني العباس، لذا كلما أرسل الرشيد رسله السريين للبحث عن زوجه وابنه، فإنهم يعودون خائبين مؤكدين له أنه لا أثر لهما، ولم ألح وانتدب أفرادًا آخرين، عادوا إليه بأنهم وجدوا الأم والابن قد ماتا، وكلما أرسل أفرادًا للبحث عنهما يعودون بالنتيجة ذاتها، فتوقف عن ذلك واقتنع بموتهما وحزن عليهما.

وقد أثر ذلك الأمر في شخصية الزوجة الأولى التي كانت التهديدات تلاحقها، فهي لم تمت ولم تكن مجهولة المصدر، ولكنها الأوامر جاءت بحرمانها من العودة لزوجها، ومع الوقت انشغل الرشيد بشؤون السياسة وأعطاها جل وقته، ولم يعد الأمر يراوحه لأنه ظن بموتهما تمامًا دون شك.

ومرت الأيام فمرضت الزوجة الأولى ومات في البصرة بعيدًا عن أهلها من ناحية وزوجها هارون من ناحية أخرى. وكانت قد أسرت لابنها أحمد بكل شيء وأفهمته الأمر وأعطته الخادم، لكي يستطيع الوصول إلى أبيه الخليفة يومًا. وكان أحمد شابًا ورعًا ربته أمه على الدين والتقوى، فكان زاهدًا، قرر أن ينزل إلى بغداد ليعمل بها، حمل الفأس على كتفه، وكانت له سنة لا تنقطع فهو يعمل يومًا واحدًا في الأسبوع، ثم ينقطع للعبادة باقي الأيام، يأكل كسرات الخبز القليلة وبعض الماء، ولا يرهق نفسه بكثرة الطعام.

ولم يُعلم أحمد أحدًا في بغداد بأنه ابن الخليفة، ظل يعمل في بغداد دون أن يعرف كيفية الوصول لأبيه، وكان يقول في نفسه لو أرادني لطلبني، ولكنه نسيني فما حاجتي إليه، ويروى أنه حاول بعض مرة التحدث مع حرس القصر فضحكوا منه وانهالوا عليه ضربًا, ومن وقتها لم يحاول الوصول إلى أبيه ثانية. وفي يوم من الأيام بينما كان في السوق أحد بعض رجال بغداد صنه “مرمة” في قصره، واحتاج لصانع طين ماهر، فدله الناس عليه، فاستغرب الرجل وكان يدعى عبد الله بن الفتوح من وسامة الشاب ومن عمله ذلك مع عدم تحصله إلا على القليل. واستغرب أكثر لما علم أنه يعمل يومًا واحدًا في الأسبوع، ويمضي بقية الوقت في العبادة، وقد تعلق به الرجل وتتبع أثره فعلم زهده وورعه، وأخذ يسأل عن بيته، وعندما زاره وجده يعيش في مكان متواضع للغاية وهو مريض أشد المرض، فطلب منه أن يخدمه، فوافق أحمد بشرط ألا يحضر له طعامًا إلا إذا طلب منه، وطلب منه أن يدفنه في لباسه الذي يرتديه إذا مات، فلما أحس الاحتضار، قال للرجل: إذا مت ودفنتني فخذ هذا الخاتم إلى الخليفة هارون الرشيد وقل له: “يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لا تموتن على سكرتك فتندم”.

مات أحمد بن هارون الرشيد، وقام عبد الله بن الفتوح بدفنه ونفذ وصيته، فكتب ما رواه له أحمد على فراش موته، ووضعه في صحيفة، وألقى بنفسه أمام هارون الرشيد، فلما وصلت الورقة إلى الخليفة غضب، فقدم له الرجل الخاتم، فهدأ وأخرج من لديه. وقص عليه الأمر، فبكى هارون بكاء مرًّا، وخرج ليلاً إلى مكان دفن ابنه ولم يبرحه إلا فجرًا، وأعطى أبا الفتوح مالاً له ولعياله جزاء ما قدم مع ولده الفقيد.