خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الخنساء: الشاعرة القوية الثائرة

ID 30304718 © Robert Paul Van Beets | Dreamstime.com

يكاد لا يوجد شاعرة أخرى تفوق الخنساء، وخاصة في الشعراء المخضرمين، أي الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، إذا كانت ذات شخصية قوية وثائرة ولديها فرادة شعرية وغزارة في الإنتاج مع حُسن السبك والجودة الكبيرة، لقد تفوقت على شعراء عصرها من الرجال، وكانت ذات قبول لدى أغلب الشعراء، اعترافًا منهم برصانتها الشعرية. وهي “تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية ولقبها الخنساء، وسبب تلقيبها بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه”. (الوافي في الوفيات، ج 1، ص 1459). عُرفت في الجاهلية بقوة الشخصية وحرية الرأي والقول والفصاحة، فقد نشأت في بيت جاه وعز مع والدها وأخويها معاوية وصخر، وكانت ذات رأي حر؛ إذ يروى أنها رفضت الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم، لكنها تود الزواج من أحد أبناء قومها، وبالفعل تزوجت من ابن عمها.

اشتهرت الخنساء برثائها لأخويها معاوية وصخر، وظلت تبكيهما حتى ماتت. قال عنها ابن عبد البر في الاستيعاب: “قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم”. ومن أهم الملامح الشخصية التي تميزت بها الخنساء أنها كانت قوية الشخصية، وكانت كريمة العطاء، ولديها رأي سديد. كما أنها كانت شاعرة من الطراز الأول، وقد روي أن بشار بن برد كان يقول ما من امرأة إلا ويظهر في شعرها ضعف، فلما سُئل عن ذلك في الخنساء قال: تلك التي غلبت الرجال. أي تفوقت عليهم بشعرها. وقيل إنها أنشدت قصيدة جاء في مطلعها:

قذى بعينيك أم بالعين عوار *** أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

فسُئل جرير عن أشعر الشعراء، فقال: أنا، لولا الخنساء. فقال له الحضور: فيم فضل شعرها عليك؟ فقال: تفوقت عليّ إذ قالت:

إن الزمان ومـا يفنى له عجـب *** أبقى لنا ذنبًا واستؤصل الــرأس

لقد كانت صاحبة بلاغة ومنطق مع حُسن تصرف وبيان، كما كانت رضي الله عنها من أهل الشجاعة والتضحية، وقد ظهر ذلك في يوم القادسية، إذ دفعت بأبنائها الأربعة إلى الجهاد فاستشهدوا جميعًا، فقالت رغم ذلك: “الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم”. وكانت تنشد النبي الشعر فيعجب به، ويقول صلى الله عليه وسلم: “هيه يا خناس”، وذكر أيضًا أنه كان يومئ بيده لها.

مرت الخنساء بحالتين متناقضتين، الأولى في الجاهلية، حيث قُتل أخواها صخر ومعاوية، لذا كانت تشق الجيوب وتفعل ما يزري بالمروءة، وهولت من الأمر، ولم تكتف بالشعر والحزن العابر والطبيعي، ولكنها فعلت كل ما لفت الأنظار إليها، حتى صار حزنها مثلاً يضرب به المثل. ويذكر لنا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رآها في الجاهلية تطوف بالبيت وهي حليقة الرأس وتلطم الخدود، وتعلق نعل صخر في خمارها، وذلك من شدة ما تشعر به. أما الحالة الثانية فعندما دخلت الإسلام وأصبحت عارفة بتعاليمه، وجرت الروح الإسلامية في قلبها، فأصبحت أكثر هدوءًا ورزانة، وحزنت بشكل يتناسب مع روح الإسلام ومبادئه، لذا ظلت تبكي حزنًا على من فقدت من أهلها، ولكنها لم تعد لأفعال الجاهلية.

كان لها موقف مؤثر مع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قام بنو عمها ذات يوم بالذهاب إليه لكي يوقف حزنها، وقالوا: “يا أمير المؤمنين هذه الخنساء قد قرحت مآقيها من البكاء في الجاهلية والإسلام فلو نهيتها لرجونا أن تنتهي. فقال لها عمر: اتقي الله وأيقني بالموت فقالت: أنا أبكي أبي وخيري مضر: صخرًا ومعاوية، وإني لموقنة بالموت، فقال عمر: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار؟ فقالت: ذاك أشد لبكائي عليهم؛ فكأن عمر رقّ لها فقال: خلوا عجوزكم لا أبا لكم، فكل امرئ يبكي شجوه ونام الخلي عن بكاء الشجي”. (الوافي في الوفيات، ج 1، ص 1461)

ماتت الخنساء في بداية خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، أي في عام 24 هـ، لقد عاشت بالبكاء والحزن، وجعلت شعرها كله من أجل تكريس قضيتها، وفاقت عديدًا من شعراء عصرها.