الخوارزمي وإسهاماته التأسيسية في علم الجغرافيا الحديث

Art_

من الأمور التي لا يمكن إنكارها، ما قام به العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي من إسهامات علمية جبارة فاقت عصره وما زالت صداها يتردد إلى يومنا هذا، حيث كانت له أيادٍ سابغات في عدة علوم مثل علم الرياضيات والفلك والجغرافيا وغيرها من العلوم، كان الخوارزمي متميزًا في عطائه متنوعًا في معرفته التي اكتسبها من خزانة الحكمة في زمن المأمون، حيث ولد في بغداد، وشب في فترة تولي المأمون الخلافة، وأصبح عطاؤه وفيرًا، وقد ساعده منصبه الذي تولاه في خزانة الحكمة أو بيت الحكمة وهي مكتبة معنية بنقل العلوم وترجمتها وخاصة ما خلفه اليومان، فاستطاع التعرف إلى الأعمال اليونانية والهندية، مما مكنه من إجراء دراسات متعددة في الفلك والجغرافيا والرياضيات، وكانت له العديد من المؤلفات التأسيسية للعلوم، واستطاع بجهده أن يدخل كلمة (Algorithm) وتعني خوارزمية أي نسبة إليه، إلى جميع اللغات تقريبًا. وقد توفي في مدينة بغداد في عام 850 م، بعد رحلة عطاء انتفعت بها البشرية جمعاء منذ كان حيًّا وحتى الآن.

لم تكن الجغرافيا هي المجال الرئيس لعمل الخوارزمي، ولكنها كانت المجال الثالث، وقدم فيها جهدًا تأسيسيًا، استفادت منه الجغرافيا الحديثة، وذلك من خلال كتاب صورة الأرض، والذي انتهى من كتابته في عام 833 م، وهذا الكتاب يعد نسخة منقحة من كتاب الجغرافيا لكلوديوس بطليموس، بحيث قدم الكتاب في شكل جديد وكامل ومزود بالشروحات. وقد تألف هذا العمل من قائمة من 2402 إحداثًا للمدن ومجموعة من المعالم الجغرافية، وسبقت بمقدمة عامة وافية، ولا توجد من هذا الكتاب القيم سوى نسخة واحدة موجودة في مكتبة جامعة ستراسبورغ. أما الترجمة اللاتينية له فإنها موجودة في المكتبة الوطنية بمدريد في إسبانيا. أما العنوان الكامل للكتاب فهو: صورة الأرض من المدن والجبال والبحار والجزائر والأنهار: استخرجه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي من كتاب جغرافيا الذي ألفه بطليموس القلوذي وقد اعتنى بنسخه وتصحيحه هانس فون مژيك.

مما استفاد منه علم الجغرافيا الحديثة من هذا الكتاب، قائمة خطوط العرض ودوائر الطول، فعُلم منها مناطق الطقس في كل منطقة على حدة، إن هذا المعيار في معرفة الطقس مكن العلماء بعد ذلك من ربط خطوط العرض مع دوائر الطول لمعرفة المنطقة الجوية التي يقع فيها أي إقليم من الأقاليم، وقد تمكن العلماء من استخراج الكثير من خطوط العرض أو دوائر الطول الأخرى وتعميمها على العالم أجمع.

أما عن خريطة العالم في الكتاب، فإنها مفقودة ولم يستطيع العلماء تقديم شيء سوى إعادة بناء الخريطة المفقودة على أساس من قائمة الإحداثيات الموجودة، حيث قاموا بقراءة خطوط العرض والطول من خلال ما ورد في نسخة الكتاب، ثم يقومون بعمل رسم بياني تقريبي ليشابه النسخة الأصلية.

كان الخوارزمي سباقًا في تصحيح معلومات بطليموس، مثل درجة خط الطول، ووصف المناطق والبحار والمحيطات، حيث اعتبرها بيئات مفتوحة من الماء، وليست مغلقة كما قال بطليموس، وقد حدد الخوارزمي خط الطول الرئيسي للعالم القديم على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط 10-13 درجة إلى شرق الإسكندرية، و70 درجة إلى غرب بغداد، واستخدم معظم الجغرافيين المسلمين فيما بعد خط الطول هذا الذي حدده الخوارزمي.

وللخوارزمي أيضًا بحث آخر عن التقويم العبري جاء تحت عنوان: رسالة في استخراج تاريخ اليهود. يصف فيه ما يسمى بدورة ميتون الممتدة لمدة 19 عامًا وبحث في قواعد تحديد أي يوم من الأسبوع سيكون اليوم الأول لشهر تشريه. ويمنح كذلك قواعد تحديد خط الطول المتوسط من القمر والشمس من خلال استخدام التقويم العبري.

لقد كان الخوارزمي مؤسسًا بحق لعلم الجغرافيا الحديث من خلال جهوده وإحداثياته التي وضعها، ومن خلال تصيح بعض المعلومات الخاطئة، فقدم للعلماء البداية الحقيقية لإنشاء هذا العلم والخوض فيه.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!