خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الدولة الأخيضرية في نجد

© Fajri Hidayat | Dreamstime.com

كانت الخلافة العباسية في الأيام الأخيرة لها، تمر بحالة ضعف شديد مثل الدولة الأموية في آخر عهدها، مما نشأ عنه وجود بعض الدويلات التي تكونت وانعزلت عن الخلافة وأصبحت في مأمن من تقلبات الأجناس والفاصل المتعددة في جسد الخلافة العباسية، ومن تلك الدويلات الدولة الأخيضرية التي نمت في نجد واتخذتها مقرًا لها.

كانت نجد موطنًا للكثير من القبائل العربية قبل الإسلام، وكذلك موطنًا لشعراء العصر الجاهلي وصدر الإسلام، ومنذ أن انتقل مركز الخلافة إلى دمشق ثم بغداد، عانت أقاليم الجزيرة العربية عامةً من الإهمال، ولم تكن ولاية نجد ذات أهمية بل كانت أحيانًا تتبع  إقليم الحجاز أو إقليم البحرينالأحساء“.

يشرح لنا الدكتور فهد الدامغ ذلك الوضع الذي نشأت فيه الدولة الأخيضرية، فيقول: “وما إن حلّ القرن الثالث الهجري، حتى بدأت بوادر الضعف تظهر على الخلافة العباسية، وبدأ عصر نفوذ الأتراك، فشُغِلت الخلافة بكثير من المشكلات الداخلية وكثرة الفتن والتمردات والثورات التي تغذيها دوافع سياسية أو دينية، وقد أتاح ذلك كله فرصة لأقاليم الدولة المترامية الأطراف وخاصة المناطق النائية، فنجحت في اقتطاع بعضها والاستقلال بنفسها استقلالاً تامًا أو ذاتيًّا، بحيث لم يبقَ للخلافة فيه سوى نفوذ اسمي تمثل في إعلان التبعية من خلال الخطبة وسكّ النقود فقط. لقد تطلع العلويون إلى إقامة دولة مستقلة لهم في الحجاز ولكن لم تتهيأ الظروف المساعدة التي تمكنهم من تحقيق ما يصبون إليه؛ فقد تذمر أهل الحجاز من حركتهم ولم يحظوا بمساندة منهم  فتوجهوا إلى إقليم نجد“.

ومن خلال ذلك برزت في إقليم اليمامة في منتصف القرن الثالث الهجري، دولة علوية مستقلة عن الخلافة العباسية، عُرفت بالدولة الأخيضرية، وكانت نجد قاعدة لأول دولة علوية في الجزيرة العربية عدا اليمن. وسكن بلاد اليمامة قبل قيام الدولة الأخيضرية عدة قبائل، من أهمها: قبيلةتميموحنيفةوبني هزانوبني النمر” … وغيرهم. وكان نمط الحياة الاجتماعية لسكان اليمامة، يقوم على أساس قبلي، وكان التنافس على الرعي وموارد المياه، يؤدي إلى التنافر والعداء، ويتطور أحيانًا إلى مناوشات وحروب بين قبيلة وأخرى، وأحيانًا بين فروع القبيلة نفسها.

كان حكم الأخيضريين محصورًا في جزء من بلاد اليمامة فقطتُعرف اليمامة الآن بمنطقة الرياض وحدودها الإدارية، ومركز هذا الجزء هو منطقة جو الخضارمالخرج، وقاعدته الخضرمة، ومع هذا فإن نفوذهم وصل إلىالقرينة حاليًا، ولم يتجاوز وادي الفقيسديرشمالاً، وأما جنوبًا باتجاه الأفلاج والسليل ووادي الدواسر فلم يصل إليها حكم الأخيضريين فكانت مستقلة وتحت سيطرة قوة القبائل المحلية.

وكانناصر خسروقد مرّ بأراضيهم في القرن الخامس الهجري، فوصف عاصمتهمالخضرمةبالقوة والمناعة، كما وصف بلدة حجر اليمامةالرياض حاليًابأنها مزدهرة في فصل الشتاء. وقال عنها: “أمراؤها علويون منذ القديم، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم، إذ ليس بجوارهم سلطان أو ملك قاهر، وهؤلاء العلويون ذوو شوكة، فلديهم ثلاثمائة فارس أو أربعمائة“.

وأما السبب الذي أدى إلى سقوط الدولة الأخيضرية، فكان في الخلاف الذي وقع على السلطة، وذلك بين أبناءأبي المقلد جعفر بن أبي جعفر بن الحسن، الأمير الثامن في سلسلة أمراء الأخيضرية، فقد قتل جعفر أخاه الأمير محمد واستولى على الإمارة، ثم ما لبث أن ثار عليه ابن أخيهكرزاب بن عليوقتله ثأرًا لعمه محمد واستولى على الإمارة، وكان هذا الصراع الداخلي سببًا رئيسًا في سقوط دولة الأخيضرية.

كان الأخيضريون يتبعون المذهب الزيدي ويقولون في أذانهم: “محمد وعليّ خير البشر“. وقد اتسمت فترة حكمهم بالجور والظلم وانتهاك الأعراض وسفك الدماء، أمّا مصير الأخيضريين بعد سقوط دولتهم في حدود عام 486 هـ، فإنهم قد تفرقوا في أنحاء نجد تحت ضغوط القوى الأخرى وظروف المعيشة، واندمجوا مع سكان المناطق التي حلوا بها، وتخلوا عن مذهبهم الزيدي الذي كانوا عليه.