خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الدولة المغولية في الهند

ID 112822374 © Dmitry Chulov | Dreamstime.com

للمغول تاريخ طويل، وقد اتسم بالصراع والغزو والسيطرة على المناطق والأقاليم، وتولدت لديهم حب التوسع وإقامة إمبراطورية تاريخية عظمى. سكنوا أواسط آسيا، وكانت لهم دولة قوية استطاعت بسط نفوذها على المناطق المجاورة فترة من الزمان، وكان لها وطأتها الشديدة على الدولة الإسلامية وخاصة في نهاية الخلافة العباسية، ويكفي أنهم قتلوا الخليفة وكادوا للإسلام، ولم يتركوا حيًا وقع تحت أيديهم حينما دخلوا بغداد إلا وقتلوه شر قتلة، وأهدروا الثروات ونهبوا البيوت وهتكوا الأعراض، وزادوا ذلك أسى بأن ألقوا بكتب مكتبات بغداد ودور العلم فيها في نهر دجلة والفرات. ولم يقف زحفهم إلا بعد المعركة الفاصلة في عين جالوت بقيادة القائد المسلم قطز.

 وبعد تلك المعركة أسلم عدد كبير منهم، وعادوا إلى بلادهم، وبعد مدة من الزمن تحولت دولة المغول إلى الإسلام بفضل الله تعالى وجهود المخلصين، وقد تم تسخير القوة المغولية بعد ذلك لخدمة الإسلام، وجاء من نسل المغول المسلمين من استطاع أن يصل إلى الهند ويفتحها ويسيطر على معظم أراضيها، وأن يكوّن مملكة زاهرة استمرت 300 سنة. ونتوقف هنا مع تلك الدولة المغولية في الهند.

يرجع الفضل في تأسيس دولة المغول الهندية إلى ظهير الدّين محمد بابر، ذلك القائد المسلم الذي ينحدر من أسرة تيمور لنك وجنكيز خان التي تنتمي إلى الأصول المغولية، إذ كان قائدًا وحاكمًا لسمرقند، قبل أن يتجه بجيشه ليسيطر على كابل، ولكنه تلقى طلبًا من أحد حكماء الهند، ولذا توجه إليها رفقة جيشه، وقد تمكن من السيطرة عليها وضمها إلى مملكته في عام 1526 م، وقد استمر ظهير الدين على رأس الحكم فيها مدة خمس سنوات كانت مليئة بالإنجازات والعطاء والروح الإسلامية المتقدة.

تعاقب على حكم دولة المغول في الهند عدد كبير من الحكام، ولكن كان أكثرهم شهرةً وإنجازًا ومكانة، السلطان جلال الدين أكبر، والذي وصلت الدولة إلى أوج عظمتها في عهده، فقد استطاع بحنكته ضم أراضي كثيرة حتى وصل بدولة الهند إلى مناطق البنغال، وقام بتنظيم أمور الحكم والدولة في عهده، وأسس الشركة الهندية التجارية، والت اعتنت بالتجارة وتنظيم القوافل بين الشرق والغرب، وكان التسامح في عهده باديًا بين جميع الملل والأديان، وحدث تعايش كبير بين السكان متعددي العرقيات، وقد كانت سياسته تقوم على استمالة الهندوك حتى يضمن ولاءهم، فعين عدد منهم في بلاطه، وقد استمر حكمه حتى أوائل القرن الرابع عشر الميلادي.

كان موت الحاكم المغولي أورانك، هو البداية الحقيقية لضعف دولة الهند المغولية، لأنه يعد آخر القادة الكبار الذي استطاعوا توسيع المملكة والحفاظ عليها، وعندما توفى بدأت مرحلة الأفول في الظهور، وبدأت مناوشات القوى الصاعدة والاستعمارية في الظهور، وخاصة الأطماع البريطانية والبرتغالية، وكان احتلال القائد الفارسي نادر شاه لدلهي في عام 1739 م الشرارة التي أعطت الضوء اللامع لسقوط المملكة.

وقد استطاع البريطانيون في حدود أوائل القرن التاسع عشر إحكام السيطرة على الهند، وبدأ يتحكمون في مصير المملكة المغولية الهندية، وأخذوا يعينون ويعزلون، وأصبحت الدولة عرضة للتفتيت الشامل مع مرور الوقت، وبحلول عام 1857 م اتخذ البريطانيون قرارهم المجحف بخلع آخر حاكم مغول مسلم للهند، ألا وهو محمد بهادر شاه، ومنذ تلك اللحظة غدت الهند ضمن ممتلكات الإمبراطورية البريطانية، وأطلق على ملكة بريطانيا فتكوريا إمبراطورة الهند.

وهكذا أصبحت الدولة المغولية في الهند في خبر كان، ولم يتبق منها إلا الشواهد التي بنوها، أو الذكريات التاريخية لملوكها المغوليين. كانت بريطانيا تعي جيدًا أهمية الهند لمملكتها لكي تسيطر على طرق التجارة، ولكي تحصل على المواد الخام اللازمة لها، لذا ظلت تضعف في الدولة المغولية فيها حتى انهارت، واستولت عليها ردحًا من الزمن.