رأي 14 Muharram 1442 AH

الذوبان الحضاري وضياع الهُوية

Contributor

لم يعد الذوبان الحضاري مصطلحًا تنظيريا بل واقعًا ملموسًا في كل ما حولنا من مظاهر، إذ أصبح المجتمع يومًا بعد الآخر يبتهد عن هويته وثقافته، هُوية أي مجتمع هي المعالم الأساسية التي يجب أن تظهر وتميز هذا المجتمع، بل وتشكله بجملة من الخصائص التي تحفظ تفرده عمن سواه من المجتمعات، وإذا ضاعت هُوية المجتمعات والأوطان قل قدرها وتضاءلت مكانتها بين الأمم قاطبة.

الذوبان الحضاري والهوية الإسلامية

ومن الملاحظ الآن في مجتمعاتنا الإسلامية أن الانتماء العقدي والفكري أو ما يُعرَف اصطلاحًا بالهُوية الإسلامية، وخاصة لدى الشباب على وجه الخصوص، يعاني حالةَ ضعف كبيرة، بدرجة وصلت في بعض المجتمعات إلى مرحلة الذوبان في الثقافات الأخرى، وأصبح المجتمع الإسلامي فيها خليطًا مهجنًا يمتثل لثقافة وافدة لا لشرائع الإسلام.

لقد ازداد الأمر سوءًا عن ذي قبل، وخاصة في المجتمعات غير الإسلامية والتي يوجد بها جاليات إسلامية كبيرة، إذ تتعرض تلك المجتمعات إلى أنواع متفرقة من الممارسات التي تؤدي إلى الإحساس بضياع الانتماء، ويصل الأمر في بعض الأوقات إلى الخجل من الانتماء للهوية الإسلامية، أو حتى تذكرها والإشادة بها، مع محاولة التنصل من كل ما هو إسلامي، وتصديق الدعاوى الغربية بشأن الإسلام، مما جعل أزمتنا الحالية هي أزمة هُوية بامتياز، لأنها هي الشيء الحقيقي الذي يميز الأمة ويصبغ المجتمعات بطابع خاص، مما يمدها بالحيوية والقدرة على الاستمرارية والبقاء، وترتسم الهوية في أي مجتمع باعتبارها مجموعة من القيم والأفكار والمبادئ والتقاليد الراسخة، والثقافة والتاريخ، والسلوكيات الحضارية والأخلاقية، إضافة إلى الآداب العامة، وكل ما من شأنه أن يكون أمرًا خاصًا يميز الأمة.

التطور التكنولوجي كسبب

ويلعب الذوبان الحضاري اليوم دورًا مؤثرًا في تأكل الشخصية الإسلامية داخل المجتمعات، فقد أصبح التطور التكنولوجي وما أحرزته الآلة الغربية من تقدم دافعًا لانهيار الشباب، ولدخولهم معترك تلك الثقافات دون خبرة كافية بكيفية التفريق بين الأفكار وبعضها، فتم دسّ السم لهم في العسل، فأكلوا بشراهة وهم جائعون، ولذا أصبحت عملية إعادتهم إلى لحمة الأمة صعبة للغاية وتحتاج إلى جهد أكبر.

 وخطورة عملية الذوبان تلك في أنها تتم من جانب واحد فقط، وهو الجانب الأقوى والأشد سطوةً وتأثيرًا ويفرض شروطه على غيره، كما أنها لا تقوم على أساس أو معيار سليم، بل تتم بغرض إذابة الفواق تمامًا ونقل الشخص المسلم إلى ثقافة أخرى مغايرة قد لا تتناسب مع معتقداته أو تتعارض مع أفكاره، بما يجعله أمام خيارين، إما أن يذوب داخل المجتمع الجديد ويغدو لا شيء، وإما أن يحافظ على هويته الإسلامية ويواجه العراقيل الموضوعة لإذابته وتسخيره وجعله فردًا هجينًا من الطراز الأول.

بعض العذر

ولعل الناظر إلى الذوبان الذي نحياه شبابنا اليوم، ربما يعطيهم العذر أو يلتمس لهم بعض الأسباب، لأنهم جيل نشأ منذ نعومة أظفاره وقد لامست أذنيه كلماتُ التشويه وعبارات التشنيع بالإسلام والمسلمين وأنهم وراء كل بلوى ونائبة، وقد مورست عليهم مجموعة كبيرة من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلتهم يشعرون بالضعف والهوان ويسقطون في مهاوي الجهل، إضافة إلى تسليط الأبواق الإعلامية لنبرتها اللاذعة لتوجيه الصفوف إلى الثقافة الغالبة، والناس غالبًا ما يميلون إلى الغالب ويتركون المغلوب، ورغم أن ذلك يكاد يكون سُنة كونية على مدار العصور والأزمان، فإن الأمر لا يصح إذا كان مختصًا بالدين وذهاب الأخلاق وضياع الأمة.

ولكن يجب على هؤلاء الشباب أن يعلموا أن الذوبان في الأخير ضعف واستكانة وخضوع، وأن المطلوب ليس العزلة والانغلاق على النفس، بل أن نأخذ من الآخر ما يفيدنا ويتماشى مع ثقافتنا الإسلامية، على أن نحافظ على ديننا وآدابنا وأخلاقنا القويمة، ولا نفرط فيهم فنصبح مثل غثاء السيل. إن الذوبان في الآخر ليس مطلوبًا، بل يجب أن نأخذ منه ويأخذ منا ويحدث بيننا تلاقح ثقافي، فلا هذا يلغي ذاك، ولا ذاك يلغي هذا، فلكل شخصيته وأسلوبه وطابعه المميز.