خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الرؤيا الصالحة جعلته قاضيًا

ID 44825270 © Shariqkhan | Dreamstime.com

أحيانًا تجلب الأحداث البسيطة أخرى كبيرة خلفها، هذا بالضبط ما حدث مع سعيد بن عبد الرحمن في خلافة المهدي محمد بن المنصور، فقد سُئل الهيثم بن عليٍّ بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن يوليه المهدي القضاء وينزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟ فقال: إن لذلك الأمر خبر ظريف. وأخذ يقصه فقال: وصل سعيد بن عد الرحمن إلى الربيع حاجب المهدي فقال له: استأذن لي على أمير المؤمنين، فقال له: من أنت وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له، فقال الربيع: يا هذا، إن القوم لا يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف بما يراه لهم غيرهم، فاحتل بحيلة غير هذه، فقال: إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه وأخبره إني سألتك الإذن لي عليه فلم تفعل؟”.

وبالفعل دخل الربيع على المهدي، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا عليكم بكل ضرب. فقال له المهدي: هكذا تصنع الملوك فماذا؟ فأخبره بأن رجلاً بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة، وقد أحب أن يقصها عليك. فقال المهدي: يا ربيع، إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي فكيف يمكن ادعاؤها ممن لعله قد افتعلها؟ أي أن تكون كذبة كذبها علينا. فقال الربيع: والله قلت له مثل هذا فلم يقبل، فأمر له المهدي بالدخول.

فخرج الربيع وأدخل عليه سعيد وكانت له هيئة حسنة ولحية عظيمة ولسان بليغ، فقال له الخليفة: ما رأيتَ بارك الله فيك؟ فقال سعيد: رأيت يا أمير المؤمنين آتيًا أتاني في منامي فقال: أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته الآتية في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجد ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له.

فقال المهدي: ما أحسن ما رأيت، ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما أخبرتنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك فوق ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا الصالحة ربما صدقت وربما اختلفت. فقال سعيد: يا أمير المؤمنين، فما أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه الله، ثم رجعت صفر اليد؟”. يعني أنه يريد مكافأته قبل أن يعود لبيته.

فقال له المهدي: فكيف نعمل؟ فقال سعيد: يعجل لي أمير المؤمنين أعزه الله تعالى ما أحب وما أحلف له بالطلاق إني قد صدقت. فأمر له بعِشرة آلاف درهم وأمر بأن يؤخذ له كفيل ليحضر من غد، ويأخذ المال اليوم، وقال له: من يكفلك؟ فمد عينه إلى خادم حسن الوجه والزي وقال: هذا يكفلني. فقال له المهدي: أكفله يا غلام؟ فاحمر وجهه خجلاً، وقال: نعم يا أمير المؤمنين، فكفله، وانصرف سعيد بن عبد الرحمن بالعشرة آلاف درهم. فلما كانت تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفًا بحرف وأصبح سعيد وحضر واستأذن، فأذن له. فلما وقعت عين المهدي عليه قال له: أين مصداق ما قلت لنا عليه؟ فقلت له: وما رأى أمير المؤمنين. فضحك في جوابه، فقال له: امرأتي طالق إن لم تكن رأيت شيئًا؟ فقال: لأني أحلف على صدق. قال له المهدي: فقد والله رأيت ذلك مبينًا.

فقال سعيد: الله أكبر، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني. قال: حبًا وكرامة. ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار ومن الثياب الكثير، فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي كان كفله. وقال: سألتك بالله هل لهذه الرؤيا من أصل؟ فقال سعيد: لا والله. ثم بعد مدة من الزمن أرسل إليه الخليفة المهدي وقربه منه وولاه قضاء العسكر فظل في تلك الوظيفة حتى مات، وكل ذلك بفضل رؤية ادعى سعيد أنها جاءته ذات يوم، وأنها حق، لذا فإن تلك الرؤية الصالحة جعلت منه قاضيًا سواء وقعت أم لم تقع.