خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الزبير.. نشأتها وتأثرها بالبيئة النجدية

ID 77846395 © Sergey Mayorov | Dreamstime.com

  تقع الزبير غرب مدينة البصرة، وقامت على آثار مدينة البصرة القديمة، وعلى مقربة من أرضموقعة الجمل، وكان موقعها سابقًا محطَّ تجمع قوافل تجارة البصرة عند مسيرها إلى الشام وشبه الجزيرة العربية. وسُميت بالزبير لوجود قبر الصحابي الزبير بن العوام رضي الله عنه بها، فقد دُفِن فيها بعد موقعة الجمل. وقد تم تأسيسها سنة 979 هـ، وذلك حين أمر السلطانسليم بن سيلمان الثانيأن يقام فيها مسجد على ضريح الصحابي الزبير بن العوام.

كانت الزبير في أول أمرها قريةً صغيرةً، وفي حالة بدائية، حتى قدِم إليها النجديون، ففي الربع الأخير من القرن العاشر الهجري بدأت هجرة أبناء نجد من بلادهم إلى مدينة البصرة الحديثة لكسب الأرزاق والعمل في بساتين نخيلها في المواسم. ونظرًا لبعد المسافة بين نجد والبصرة، وما يحصلون عليه من الكسب من موسم إلى موسم آخر، عزم بعض النجديين على الإقامة في البصرة لينالوا قسطًا أكبر من الرزق، فتم لهم ذلك، إلا أنهم وجدوا أنها لا تتناسب مع نمط حياتهم الذي ألفوه في نجد، فكان انفتاح البصرة الذي يخالف العادات والتقاليد النجديّة، وكذلك الاختلاف في بعض العقائد الدينية، ورطوبة أجواء البصرة، وهناك عامل آخر ألا وهو اضطراب الأمن فيها الفَيْنة بعد الأخرى بسبب استبداد بعض ولاتها.

ولهذه الأسباب آثر المهاجرون النجديون السكن والاستقرار في الزبير وهي في أول نشأتها، وقد عرفوها من خلال تردّدهم من بلادهم إلى البصرة، فوقع اختيارهم عليها لأنها أرض مماثلة لنجد، ولا توجد موانع طبيعية تحول بين نجد والزبير مع وجود علامات دالة على قربهم من الزبير كوادي الباطن وجبل سنام، وتوجد عوامل الزراعة كالتربة الصالحة والمياه الجوفية ووفرة مواد البناء.

اتخذ المهاجرون النجديون الزبير مقرًّا دائمًا لهم لسكنهم وعائلاتهم، لذلك بنوا مساكنهم حول مسجدالزبير بن العوام، فأسسوا أول محلة وأطلقوا عليها محلة الكوت وما زالت تحمل هذا الاسم، وأسسوا لهم مسجدًا جامعًا إلى الشرق من مسجد الزبير، وذلك في عام 1003 هـ، وأطلقوا عليه اسم مسجد النجادة.

ظلت الهجرات والوفود النجدية مستمرة دون انقطاع، واتسعت البلدة من كثرة المهاجرين وأصبح لها كيان تجاري، وأصبح لها علاقة تجارية مع كثير من البلاد، فسيّروا القوافل التجارية إلى أنحاء العراق وبلاد الشام وتركيا والبلاد الأوروبية وكذلك نجد، وأصبح لبعضهم بيوتات تجارية، وأصبحوا هم وكلاء شركاتها. كذلك عمد بعض النجديين إلى الزراعة بعد أن وجدوا وفرة في مياه آبارها الصالحة للزراعة، وكذلك وفرة الأمطار في موسمها.

ويتصف أهل مدينة الزبير بالانغلاق الشديد على أنفسهم، نتيجة لوقوعها غرب مدن لا تتلاءم عادات أهلها معهم، فلم تشهد الزبير حالات تزاوج وتناسب مع تلك المجتمعات إلا في حالات نادرة، ولم يسمحوا قط قبل عام 1920 مأي قبل مجيء الاحتلال البريطانيبأن يسكن معهم أجنبي غيرهم. ولا تختلف عادات أهل الزبير عن عادات أهل نجد، إلا أن لهجتهم تأثرت قليلاً باللهجة الخليجية مع لكنتهم المميزة والجميلة، ولم ينقطع تواصلهم مع أهلهم في نجد.

وظهر في الزبير رجال علم ودين اهتموا اهتمامًا عظيمًا ببناء المساجد، حيث بلغت أكثر من خمسة وعشرين مسجدًا في مدينة لا تتجاوز ألف كيلو متر مربع، لقد كانوا شغوفين جدًّا بالعلم والتعلم، وكانوا أول من تجاوز نظام التعليم التقليدي الكتاتيب، فافتتحوا مدارس نظامية حديثة، لتعليم العلوم الطبيعية والشرعية، فخرجت بعثات تعليمية إلى عمان والكويت والبحرين، لتسهم في المدارس الحديثة وتنشر العلم.

ولعل التاريخ يشهد أن مدرسة النجادة الأهلية التي قامت على نظم حديثة، وبدعم مادي من أهل الزبير، كانت مثالاً يحتذى وخرجت الدعاة والعلماء والمعلمين والمربين، مما كان لهم الأثر الطيب والبصمات الواضحة في تميز أهل الزبير تربيةً وعلمًا وعملاً، عن غيرهم من أبناء المدن الأخرى.