خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الزوجة السرية لهارون الرشيد التي غفل عنها التاريخ

ID 162890978 © Ginanperdana | Dreamstime.com

مما لا يعرفه البعض أن هارون الرشيد تزوج قبل زوجته الأولى ابنة عمه زبيدة، بامرأة أخرى وأنجب منها ولده البكري أحمد، وتلك قصة طويلة، فحين كان هارون الرشيد في ريعان الشباب في أثناء خلافة أبيه المهدي، وكانت النساء مفتونات به وخاصة جواري القصر، وأحس هارون من داخله أنه دائمًا ما يكون الفريسة وليس الصياد كما يظن، وقد كره هذا الحال، وفي تلك الأثناء كانت أمه الخيزران تجد في نفسها ميلاً لهارون عن ابنها موسى، رغم أن ولية العهد كانت لموسى من بعد أبيه المهدي، وهنا أوعزت المرأة لزوجها المهدي أن يزوج هارون من ابنة عمه الأميرة العباسية زبيدة بن جعفر، ليكون بذلك أقرب الناس للولاية، ولتحمل نسله الخلافة والسلطان، وكانت محقة في تصورها لأن ذلك ما حدث بعد ذلك.

 ورغم أن هارون لم يكن راغبًا بتلك الزيجة، لكنه لم يقدر أن يقول ذلك لأبيه، فمضى وتأجل الزواج مدة، وفي تلك الفترة أراد هارون أن يجدد نشاطه بالبحث عن امرأة لا تتزوجه من أجل منصب أو سلطان، ولكن لذاته فقط، فخرج متنكرًا يطوف ضواحي بغداد دون أحد يؤنسه، وكثرت أسفاره، وهناك على أطراف بغداد المترامية رأى امرأة حسناء، وحاول أن يكلمها وأن يستهويها، فأبت ورفضته رفضًا قاطعًا، فأصابه الذهول غير مصدق لما يجري، دفع إليها الذهب والأموال فزادت إعراضًا عنه. كانت المرأة وجميع أهلها يعملون بالطين وتشكيله، أسمعها أعذب الكلمات وقال إنه متيم بها، ولكنها رفضته، ظل مدة على تلك الحال حتى تعب وبدأ في الانهيار أمامها.

عندما تأكد هارون من معدنها النقي وأنها من الشريفات العفيفات، وأنها أفضل ألف مرة من أميرات القصور، ومن بعض الأثرياء، وأن قلة الحال وضعفه ليست مما يعيب، أقرّ لها بالهزيمة واعترف بالحقيقة كاملة غير منقوصة، واعترف بخطئه في التعامل معها بتلك الصورة، لأنه لم يكن يدرك أن هناك نوعًا من النساء نادرًا لا يمكن الارتباط به من خلال المال فقط، وعرض عليها الزواج باعتباره هارون الرشيد بن المهدي، وقص عليها كل ما كان يجيش في صدره، وأفهمها أن الظرف الحالي لا يتيح له أن يعلن زواجه وإلا حدث ما لا تحمد عقباه مع أبيه، واشترط أن يبقى الزواج سريًّا، ووعدها بإعلانه في وقت لاحق حين تغدو الأمور في وضع أحسن، وأسر لها بما سيفعله معها في المستقبل.

أمام تلك المغريات لم تستطع المرأة الفقيرة إلا الموافقة على الزواج منه، وتزوجا في بيتها الفقير، وكان يتردد عليها من حين إلى آخر، ويترك لها بعض المال ويرحل، ثم يعود، ورغم تباعد المدد إلا أنه كان يزورها وخاصة في بداية الزواج، وظل الأمر هكذا مدة حتى حملت منه وولدت له ابنه الأول “أحمد”. لكنه بعد ذلك انشغل بالإمارة وشؤون الدولة والأحداث السياسية المتصارعة في نهاية حكم أبيه.

وعاد الاقتراح ثانية على الخليفة المهدي بإتمام زوج الرشيد من ابنة عمه زبيدة، فما كان منه هذه المرة سوى الإذعان لما رآه من إصرار الخليفة وأمه، وهكذا تم طي هذه الصفحة السرية في تاريخ هارون الرشيد، رغم كونها زواجًا شرعيًا، فلم يعد بالإمكان الخروج من القصر بشكل مستديم، وأيضًا فإنه زواجه من ابنة عمه ما زال في البداية لذلك لن تتركه يرحل من بين يديها، كما أن أي خطأ لو صغير لن يفوته ولي العهد موسى بن المهدي، لذا أخذ هارون يتراجع للوراء ويترك زوجته الأولى مدة ليخرس الألسن التي بدأت تتقول بالحديث هنا وهناك، ثم إنه سيعود إليها ثانية فيما بعد حينما تهدأ الأحوال.

ويروي بعض المؤرخين أن الرشيد حاول أن ينقد تلك المرأة مع وليدها، فقام بإرسالها إلى البصرة في السر ومنحها بعض المال وخاتمًا، وقال لها لا تظهري نفسك فإن وصلت إلى الخلافة فأتيني، ورغم أنه تولى الخلافة سريعًا، فقد مات أبوه المهدى، ومن خلفه أخوه موسى بحيلة من أمه الخيزران، وعندما تولى هارون الخلافة بدأ البحث عنها ليسترد ابنه. لكنه مع الأسف لم يستطع أن يصل إليها، ولم ير ابنه أحمد، ولكنه زار قبره وبكى عليه.