خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الزينة بين الزوجين من السُنن النبوية المهجورة

ID 178151675 © Odua | Dreamstime.com

يعتقد كثيرٌ من الناس أن الزينة بين الزوجين والتطيب والتعطر من المستحدثات، وأنها وافدة إلينا من الخارج، لأنهم ببساطة لا يعلمون أن تلك الزينة تعد سُنة من السنن المهجورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إننا نلاحظ معاناة كثير من الأسر التي يطول عهد زواجها من تلك المشكلة، إذ نجدهم على يكترثون بالتزين، الرجال والنساء على حد سواء، فإذا ما مضى على الزواج مدة، أصبح الإهمال في الزينة داخل الحياة الزوجية عنصرًا بارزًا ومؤثرًا، وربما تسبب في مشاكل خطيرة بعد ذلك.

كانت سُنة الحبيب أن يتزين كل طرف لغيره، إذ تتزين الزوجة لزوجها، وبالمثل يتزين الزوج لزوجه، فقد روى النسائي في الحديث الذي صححه الألباني عن أبي هريرة، قال: “قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ”. فالمرأة التي تسر زوجها أي تسعده ناظرًا لطيبها وجمالها واهتمامها بشأنها، فإنها بذلك من خير النساء إذ أطاعت أمره وحفظت ماله وعرضه في غيبته.

ومن الجدير بالذكر ما تذكره لنا أم عطية من إشارة إلى تزين النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكرت أن النساء كن يمتنعن عن الزينة في أثناء فترة الحداد على الأموات، حيث قالت: “كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ نَكْتَحِلَ وَلاَ نَتَطَيَّبَ وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ…”. (رواه البخاري)، وقد دل ذلك صراحة على حرصهن على الزينة في الأوقات الأخرى خلاف ذلك، ولما لا والإسلام لم يأمرنا إلى بكل ما يصلح النفس ويهذب الروح والأخلاق.

ومن هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحبّ التزين لزوجه، ومن ذلك ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قالت: “كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ”. (رواه مسلم)، وقالت في موضع آخر: “كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ”. (رواه البخاري), ودل ذلك على تزين النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه عائشة، وهكذا يفعل مع كل أزواجه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط بل تعدى إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث كانت السيدة عائشة تزين النبي وهي حائض، أي أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك التزين قط، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ”. (رواه البخاري)

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقتدون بما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ابن عباس رضي الله عنه يقول في الحديث الذي رواه البيهقي: “إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَزَّيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ”. (سورة البقرة: 228)، ودل ذلك على تزينه لزوجه وعلى حبه لفعل ذلك، وأن يكون الأمر مشاركة بين الطرفين معًا.

والحقيقة أن تلك السنة النبوية يجب أن تعمر بيوت المسلمين اليوم، فهم أحق الناس بها، وليس شرطًا أن يكون التزين بالمواد الفاخرة غالية الثمن التي نسمع عنها اليوم، لأن الزينة المقصودة هنا أن يلتمس المرء ما يجد من الأمور المباحة أمامه للتزين بها، فالكحل مع الاغتسال والاهتمام بالنظافة الشخصية وارتداء الثياب الزاهية داخل مسكن الزوجية، تعد من الأمور التي تجلب السرور، ويمكن استعمال السواك أو الفرشاة لتنظيف الأسنان، ولا بأس في إظهار التطيب والزينة بما أحلوه الله، ولكن ذلك كله يكون بين الزوج والزوجة في مكان عيشهما، وليس تزين من أجل الخروج إلى الشارع والوقوع في المحرمات، وليكن شعارنا دائمًا: “وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا”. (سورة النور: 54). ومن ثم يجب أن نحافظ على السنن النبوية التي تعيننا في حياتنا، وتسعدنا في آخرتنا بإذن الله تعالى.