خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

السبب الدفين وراء قول المستشرقين: “الرسالة المحمدية”

ross-parmly-rf6ywHVkrlY-unsplash
Ross Parmly-Unsplash

من الغريب حقًّا أن بعض المسلمين يشعرون بالفخر الشديد حين يقرؤون كتابًا كتبه بعض المستشرقين يجدون فيه جملة: “الرسالة المحمدية، إذا يعتقدون أن ذلك شيئًا مهمًا ويثبت أنه يعترفون بالنبي محمد وبرسالته، ويتخذون من ذلك اقتباسات ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي ويجتذبون آلاف الإعجابات والتفاعلات، ويصبحون في وضعية الانتشار العشوائي الشديد، بحجة أنهم يدافعون عن الدين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

والحقيقة أن تلك فرية ناتجة عن جهل عميق وعدم فهم لمدلول الجملة، فلو تدبروها بشكل جديد ما نقلوها في جانب المديح بالرسالة، بل على العكس من ذلك تمامًا – ذلك أنهم لم يفهموا الجملة بمعناها الصحيح، ولو أراد المستشرقون المعنى الحقيقي للأمر من باب الإنصاف لقالوا: الرسالة التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، أو رسالة الإسلام إلى النبي محمد، إننا لا نجد لديهم مثل هذا القول أبدًا في كل كتاباتهم وعبر سنوات عديدة، إنهم يأخذون تلك الجملة ويقومون بتوظيفها باستمرار وحنكة، ومن كثرة تكرارها أصبحت دارجة ومستساغة للغاية، حتى عند المسلمين، وذلك خطأ كبير يجب الانتباه إليه.

إن جملة: “الرسالة المحمديةتعني في فكر المستشرقين، أن الدين هو دين محمد، وليس دينًا مُنزلاً من عند رب العالمين عن طريق أمين الوحي جبريل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، هو رجل ذكي ويمتلك سياسة حازمة، لذلك استطاع بعبقريته أن يجعل مشروعه يسيطر على عقول الناس، ولذلك فإنهمعياذًا بالله من ذلكينسبون الدين لشخص النبي صلى الله عليه وسلم دون سواه، ومن ثَمّ فإنهم يجعلون من الدين شكلاً بشريًّا وينحون عنه بخبث صفته الإلهية في الدعوة والوحي والتبليغ. لذا لا نجدهم يقولون في كتاباتهم: “الرسالة الإسلامية، لأنه يودون إنكار الدين والتقليل من شأنه، وهم لا يقولون ذلك إلا عن قصد، فهم يعرفون الألفاظ التي يوجهونها ويستعملونها بخبث شديد، لتدل على ما يودون قوله.

وخطورة ذلك، أن هذا الأمر بطريق الخطأ وسوء الفهم بدأ في الانتشار على أيدي المسلمين أنفسهم، وهم ينقلون عن المستشرقين ذلك دون أن تكون لديهم دراية في فهم المعنى الحقيقي المراد، يعتبرون أن المستشرق لم يفرق لكونه غير عربي بين الألفاظ العربية، فبدلاً من القول: “رسالة الإسلام المنزلة على محمد، قالوا اختصارًا: “الرسالة المحمدية، وهذا خطأ أكبر من سابقه، لأنه إذا لم نكن نعلم الأمر وطبيعته وحدود ألفاظه فتلك مصيبة، وإذا كنا نعلم ونلقي بالأعذار إليهم ونفعل ما يفعله الآخرون فالمصيبة أعظم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

لقد كانت تلك الجملة أشبه بنوع من الاستدراج، فوجدت في البداية رفضًا شديدًا قاطعًا، وهاجمها الكُتّاب والمفكرون الإسلاميون وبعض المثقفين، واعتبروها سُبة في جبين الاستشراق، لكنه وبعد مدة أصبح الأمر متساويًا بين القبول والرفض، إذ أخذت الجملة في الانتشار مع مواجهة بعض الرفض. غير أنها ومنذ أن انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي بدأ الناس في التساهل واستخدامها دون تدقيق في طبيعة ذلك المصطلح.

ومما ساعد على بقاء تلك العبارة وتماسكها أمام أي رفض، أن المستشرقين بجميع طوائفهم وجنسياتهم، مارسوا نوعًا خاصًا من التكرار المتعمد لها، إذ يكررونها في كتاباتهم بالصيغة ذاتها ويلحون عليها، ولذا تحولت من جملة قيلت على سبيل الخطأ، إلى مصطلح له دلالته الخاص لديهم ولدى مستخدميه، وتلك هي الخطورة التي ينبغي لنا أن نحذر منها.

إن الكلمات ليست هواءً أجوفَ، بل هي حاملات المعاني، فإن سلمت المباني، وكان المعنى شريفًا ومقبولاً، كانت العبارة جيدة والمسلك واضح، وإن كانت عكس ذلك، فإن المبنى والمعنى يصبحان لا قيمة لهما. لذا يجب أن نكون حذرين إذا أردنا أن نكون مؤثرين ولنا شخصينا وأهدافنا السامية.