خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

السلطان السُلجوقي “ملك شاه”

geography
ID 123256998 © Ievgenii Tryfonov | Dreamstime.com

ملك شاه هو السلطان الكبير جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن جفري بك السلجوقي التركي، تملك بعد أبيه وكان وزير والده الوزير نظام الملك وصيًّا عليه، وقد دُرب تدريبًا سلطانيًّا وأُعِد إعدادًا مثاليًّا حتى اشتد عوده بعد أن تمرّن على المثابرة والجلد في الحروب. وقد أثبت ملك شاه في حكمه مقدرةً فائقةً في الحرب، ورغبةً نادرةً في الإصلاح والتعمير، حتى عدّه أحد المؤرخين المؤسس الحقيقي للإمبراطورية السلجوقيّة المترامية الأطراف، بنشاطه وحنكة وزيره.

كان له دور إصلاحي بارز فقد قام بزيارة الأقاليم وتفقد أحوال الرعية واحتياجاتهم بنفسه وبنى المخافر في السبل، فانتشر الأمن من حدود الصين إلى البحر المتوسط، ومن جورجيا إلى اليمن جنوبًا، وأسقط المُكوس والضرائب وبنى القناطر وحفر الأنهار الكبار. فكان بداية صلاح للدولة في ظل حكمه، ومن خلاله بدأت ترى الأمن والأمان، وتجني الثمار والخيرات.

كان متدينًا عارفًا لأحكام الله، محبًّا لعباد الله الصالحين، يذكر أنه شيَّع مرةً ركب العراق ووقف يتأمل الحُجّاج فرَقّ قلبه ونزل إلى الأرض وسجد وعفَّر وجهه وبكى وقال بالعجميّة: “بلغوا سلامي إلى رسول الله صلى الله وقولوا: العبد العاصي الآبق أبو الفتح يخدم ويقول: يا نبي الله لو كنت ممَن يصلح لتلك الحضرة المقدسة، لكنت في الصحبة“. فضجّ الناس وبكوا ودعوا له بالخير.

ويحكى أنه ذات مرة استعداه رجلان من الفلاحين على الأميرخمار تكينبحجة أنه أخذ منهما مالاً جزيلاً وكسر ثنِيّتهما فقالا له: سمعنا بعدلك في العالم، فإن أقدرتنا منه كما أمرك الله، وإلا استعدينا عليك الله يوم القيامة، وأخذا بركابه فنزل عن فرسه وقال لهما: خذا بكمي فاسحباني إلى دار نظام الملك، فهابا ذلك، فعزم عليهما ففعلا ما أمرهما به، فلم علم نظام الملك بمجيء السلطان إليه، خرج مسرعًا من خيمته، فقال له السلطان ملك شاه: “إني قلدتك الأمر لتنصف المظلوم ممن ظلمه“. فكتب من فوره بعزل الأمير خمار تكين وحلّ إقطاعه، وأن يردّ إليهما أموالهما وأن يقلعا ثنيّته إن قامت عليه البينة، وأمر لهما الملك من عنده بمائة دينار. وهكذا أنصف الضعيف، وشد على يد المظلوم.

وكان وزيره نظام الملك يهتم بالعلماء والزهاد والمدارس العلمية وينفق عليها الأموال الضخمة، فسعى خصومه بالوشاية إلى السلطان ملك شاه، وقالوا: “إن نظام الملك ينفق في كل سنة على الفقهاء والقراء ثلاثمائة ألف دينار، ولو صُرِف هذا المال على جيش لرفع رايته على أسوار القسطنطينية“. فطلب السلطان وزيره للاستجواب، فردّ عليه قائلاً: “… ثم إنك تنفق على الجيوش المحاربة أضعاف هذا المال مع أن أقواهم وأرساهم لا تبلغ رميته ميلاً، ولا يضرب سيفه إلا ما قرب منه، وأنا أقمت لك بهذا المال جيشًا يسمى جيش الليل، قام بالدعاء إذا نامت جيوشك، فمدّوا إلى الله أكفهم وأرسلوا دموعهم فتصل من دعائهم سهام على العرش، لا يحجبها شيء عن الله، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون وبدعائهم تثبتون وببركاتهم ترزقون“. فبكى السلطان وقال بالتركية: “شا باشي يا أبت شا باشي، وترجمة ذلك بالعربية: “استكثر من هذا الجيش“.

لقد كان رحمه الله مثالاً يحتذى به من الإدارة والحكم والورع والصبر والجلد، لقد أقام البنيان وعمر الديار وأزال الخراب، وكثّر مال الدولة ونشر الأمن فيها اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وأنصف العلماء والقراء، وأعطى العطاء لمن يستحق، فكان بحق المؤسس الخفي الذي لا يكاد يذكر للدولة السُلجوقية بعد ذلك، إذ له السبق في القيام بأمرها وتمهيد الطريق لقيامها ورسوخ قدمها.