خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

السماء والنجوم والقمر في الشعر الأندلسي

يعد الشعر الأندلسي من أخصب الموارد الأدبية تشبيهًا وقولاً لشعر الطبيعة، فقد تلونت أشعارهم بالسماء والنجوم والقمر، ويبدو ذلك واضحًا لكون الطبيعة الأندلسية كانت مؤثرة فيهم بخصوبتها وجمالها الأخّاذ، فتأثرت قريحتهم بكل ما رأوه حولهم، ورفع أبصارهم نحو النجوم والسماء فوصفها فكانت أوصافهم غاية في الرقة والعذوبة. والناظر في جملة الشعر الأندلسي سيجد أنه متأثر بالطبيعة إجمالاً ويغلب عليه التشبيه والألفاظ الجذابة والسهلة. ونقف هنا أمام بعض أشعار الشعراء الأندلسيين عن السماء والنجوم والقمر، لنعرف كيف كان تعبيرهم عنها، وكيف وصفوها في شعرهم.

“قال عبادة بن ماء السَّماء الأنصاري واصفًا السماء بأنها قبة من زمرد:

كأنَّ السَّماءَ قبَّةٌ من زمرُّدٍ … وفيها الدَّراري من عقيقٍ مسامرُ

ويصف عباس بن ناصح مغيب الشَّمس وقت الغروب فيقول:

وشمسُ النَّهارِ قد هَوتْ لمغيبها … كعذراءَ تبغي في الحجالِ التَّواريا

ويصف سعيد بن عمرون الهلال بقوله:

والبدرُ في جوِّ السَّماءِ قد انطوى … طرفاهُ حتَّى عاد مثلَ الزّورقِ

فتراهُ من تحتِ المُحاقِ كأنما … غرقَ الجميعُ وبعضُهُ لم يغرقِ

ويتحدث محمد بن خطّاب النحوي عن النجوم والبدر ويدمج بينهما بقوله:

ربَّ ليلٍ جُبْتُهُ في فتيةٍ … كسيوفِ الهند أوْ زُهْرِ النّجومِ

طلع البدرُ به في صورةٍ … تشبهُ التّاجَ علَى الشَّعر البهيمِ

ويصف يحيى بن هذيل في الهلال بقوله:

يحكي من الحاجبِ المقرونِ شُقْرَتهُ … فانظرْ إليه فما أخطا ولا كادا

لو التقى لحكى حِجْلاً ولو قطعوا … من دارةِ الحجلِ ما أربى ولا زادا

وقال جعفر بن عثمان في وصف الثُّريَّ:

سألتُ نجوم اللَّيل هل ينقضي الدُّجى … فخطَّتْ جواباً بالثريا كخطِّ لا

وما عن جوًى سامرتها غير أنَّني … أنافسها المجرى إلى رُتَبِ العلا

وقال عبادة عن القمر والثريا في الليل:

ربَّ ليلٍ سهرتُ في قمرٍ … مدَّ من فَرْحةٍ عليه حُلَى

والثُّريَّا كأنها سُئِلتْ … فأجابتْ عن الحبيبِ بلا

ويصف جعفر بن عثمان الثريا والنجوم بقوله:

صفِ الثُّريَّا بمثلها صفةً … فقلتُ قرطٌ فصولُهُ العنبرْ

سماؤها في اعتدالِ خضرتها … زمرُّدٌ والنُّجومُ فالجوهرْ

وقال عيسى قرلمان، وكان القمر علَى الجوزاء:

أَرَى أرْجُلَ الجوزاءِ غيرَ بوارحٍ … وأيدي الثُّريَّا كالسَّقيم صحيحُها

وهمَّتْ ولم تمضِ السَّبيلَ كأنَّها … من الأينِ صَرْعى أثخنتها جروحها

وللبدرِ إشراقٌ عليها كأنه … رقيبٌ علَى ألاَّ يتمَّ جنوحها

وقال محمد بن الحسين:

والجوُّ أزرقُ والنُّجومُ كأنها … ذهبٌ تسربلَ لا زورداً أزرقا

وكأنما الجوزاءُ فيه تقلَّدَتْ … سيفًا حمائلُهُ المجرّةُ مُعْرَقا

ويصف طاهر بن محمد جملة من النُّجوم بقوله:

وليلٍ بتُّ أكلؤُهُ بهيمٍ … كأنَّ علَى مفارقه غرابا

كأنَّ سماءهُ بحرٌ خضمٌّ … كساه الموجُ ملتطماً حَبابا

كأنَّ نجومَهُ الزُّهْرَ الهوادي … وجوهٌ أخْضَلت تبغي الثوابا

كأنَّ المستسرةَ في ذراه … كمائنُ غارةٍ رَقَبتْ نهابا

كأنَّ النّجمَ مُعترضًا وُشاةٌ … تُسارقُ فيه لحظاً مسترابا

كأنَّ كواكبَ الجوزاءِ شَرْبٌ … تعاطيهمْ ولائدهُمْ شرابا

كأنَّ الفرقدين ذوا عِتابٍ … أجالا طولَ ليلهما العتابا”.

وتدل جميع الأوصاف السابقة على الحالة التي كان يشعر بها الشعراء الأندلسيون، فقد كانت أوصافهم دقيقة ومعبرة عن واقعهم، فقد يصفون السماء بالقبة التي تتناثر فيها النجوم والكواكب الزاهية كأنها زمرد نقي، وهم يتصورون السماء كالبحر الواسع، ويضربون بها المثل في الزرقة والصفاء والنقاء. وتوضح الأبيات الأخيرة ما كان لديهم من حس قوي في وصف النجوم، بحيث يقف الشاعر أمام أكثر من كوكب في قصيدة شعرية واحدة. وكل ذلك يدل على حبهم للسماء وجمالها، وأن الجو في الأندلس كان مهيأ لرؤية السماء ونجومها وقمرها بهذا الشكل الرائق الخلاب.