خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

السوريون حول العالم

dreamstime_xs_158626039
© Maria Marganingsih | Dreamstime.com

تعد القضية السورية اليوم واحدة من أكثر القضايا خطورة وإلحاحًا، فقد مضى على بدايتها أكثر من ثماني سنوات وما زالت عالقة وخطيرة دون الوصول لحل يرضي جميع الأطراف، وينزع فتيل الصراع. كان الصراع في البداية داخليًا لكنه مع مرور الوقت تحول إلى تدخل أممي لقوى متعددة يأتي على رأسها روسيا وأمريكا وتركيا، وفي الخفاء بعض الدول العربية التي لا تظهر موقفها علنًا. وفي هذا الإطار المظلم تحولت سوريا الفتية بعد عدة سنوات إلى ما يشبه مخلفات الحرب العالمية الأولى، فالبيوت المهدمة أكثر من البنيان، إضافة إلى القتلى بالآلاف، وفقدان كل سبل الحياة.

وقد نتج عن ذلك كله حالة من الهجرة الجماعية والاغتراب القسري لجانب كبير من الشعب السوري، كانت البداية بالانتقال من مدينة إلى أخرى داخل نطاق الدولة، ثم اتسع نطاق الحرب والمواجهة وأصبح الانتشار داخليًا يعد حالة من الانتحار والمجازفة، فما كان من السوريين إلا أن اختاروا الاغتراب وسيلة يحمون بها أنفسهم، فانتشروا عبر جميع السبل المتاحة أمامهم نحو الخارج، جزء ذهب باتجاه تركيا وعلى شريط الحدود، وجزء استطاع دخول لبنان، وجزء ثالث دخل إلى الأردن، ومصر، والسعودية، والعراق. ثم أتت مرحلة الانتشار الكثيف، وكانت الوسيلة في تلك المرة هي البحر من أجل بلوغ أوروبا.

في رحلة الاغتراب واجه السوريون الموت بكل صمت وجلد، جزء منهم مات غريقًا ولم يصل إلى مقصده، وجزء آخروهو الجزء الأكبراستطاع التوغل في الأراضي الأوربية في عدة دول منها إيطاليا واليونان وألمانياإلخ، وكانت روسيا في مقدمة هذه الدول أيضًا.

وكانت تلك هي البداية الحقيقة لانتشار السوريين حول العالم، فقد وجدوا أن أزمتهم لن تنتهي قريبًا، وأنهم ميتون لا محالة في أوطانهم فقرروا الانطلاق نحو الأمل، فإما الحياة بعزة وكرامة وإما الموت. وقد كان لهم ما أرادوا فانتشروا في مناطق شاسعة وبقاع هائلة، لم تكن تنقصهم الرغبة في الحياة ولا الأمل والحلم بغد أفضل يستطيعون فيه الحياة دون خوف أو تهديد أو أن يصحو أحدهم فلا يجد أحدًا من أسرته حيًّا.

وفي كل مكان وصلوا إليه بدؤوا أولاً بتجميع أنفسهم، وأخذوا يبحثون عن أساسيات الحياة: المكان الذي يسكنون فيه، الأدوات اللازمة للحياة، الطعام والشراب. ثم اتجهوا إلى دراسة الوضع القائم وخاصة الأوضاع الاقتصادية، والبحث عن فرص العمل المناسبة، وكان لتميزهم في تحضير الطعام وإعداد الوجبات عمل السحر في افتتاحهم المطاعم أو العمل في المطاعم الموجودة من قبل، ويومًا وراء آخر بدؤوا في تثبيت أقدامهم، حتى أصبحت لهم مشاريعهم الخاصة بهم، وأصبح لهم اقتصادهم المتنامي في تلك الدول.

إن رحلة الكفاح التي عايشها الإنسان السوري خارج وطنه تدل بكل بساطة على عراقة هذا الشخص وتميزه، فهو لم يركن إلى الأحداث المظلمة التي مرت به، وإن ظل متأثرًا بها، ولكنه احتمل وقاوم حتى وصل إلى مرحلة لم يكن أحد يتوقع أن يصل إليها بعد كل ما حل به، ومن ثم كان لانتشاره حول العالم وتمكنه من النجاح، أسباب حقيقية على أرض الواقع وليس مجرد فلتات حظ أو ما شابه.

السوريون مثلاً في مصر حققوا نجاحات كبيرة بهم، فأصبحوا اليوم من أصحاب الشركات والمصانع، وأصبحت لهم مناطق يعيشون فيها ويشكلون أغلبية فيها، وهو اليوم يقومون بإنشاء المدارس واحدة تلو الأخرى، ليشكلوا في النهاية النموذج الحي للتعايش خارج الوطن، لقد اتخذوا المناطق التي ذهبوا إليها وطنًا لهم، فقرروا الانتصار والنجاح مهما بلغت التضحيات.

ويظل انتشار السوريين حول العالم قائمًا ما لم يتحقق السلام على أرض الوطن السوري، وما لم يحدث التوافق على أرض الواقع، فيعيش الناس في أمن وسلام وينعمون بالراحة والاستقرار.