السيدة أم عمارة المحاربة الشجاعة

priscilla-du-preez-4Mw_M9a103Q-unsplash
Priscilla du Preez-Unsplash

في تاريخنا الإسلامي هناك نساء خالدات قدمن الدعم والمساندة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكنّ عونًا لهم وللمسلمين في بناء الدولة الإسلامية، وتعد السيدة الجليلة أم عمارة الأنصارية واحدة من تلك النماذج العظيمة التي سطرت اسمها بحروف من نور في تاريخنا الإسلامي. وهي نسيبة بنت كعب الأنصارية، وهي صحابية من قبيلة الخزرج، كانت من السابقات في إعلان إسلامها، شاركت في كثير من الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض المعارك التي دارت رحالها بعد موته صلى الله عليه وسلم، وقد عُرفت باسمحروب الردّة“.

وهي من أكثر الصحابيات غزوًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، كانت لها شجاعة وصبر ليس لأحد غيرها. فهي شجاعة محاربة وعنيدة مدافعة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه صابرة ومحتسبة في كل ما عايشته من محن. وقد كان إسلامها في يوم العقبة، فقد كانت ترقب الإسلام منذ بداية وتنتظر اللحظة المناسبة لإعلان إسلامها، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات موقفها رضي الله عنها من الإسلام فقال: ” أسلمت أم عمارة، وحضرت ليلة العقبة، وبايعت رسول الله، وشهدت أحدًا والحديبية وعمرة القضية، وحنينا، ويوم اليمامة وقطعت يدها، وسمعت من النبي أحاديث“. وقد دل ذلك على فضلها وحسن إسلامها وشغفها بحماية دين الله ومنازعة الرجال في حماية النبي صلى الله عليه وسلم، مهما كلفها ذلك من متاعب وأهوال.

ومن أروع الأمثلة التي جادت بها وضربتها أم عمارة للمسلمين، وقفتها يوم أحد مع زوجها ووالديها من زوجها الأول، حيث خرجت تقاتل بكل ما أوتيت من قوة، فجرحت اثني عشر جرحًا، ولم تكتف بذلك بل أخذت تسقي المسلمين في الميدان، وكان بلاؤها عظيمًا وجهدها مباركًا، حتى إن الإمام الذهبي روى عنها أنها قالت: ” سمعت رسول الله يقول: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان“. يعني صلى الله عليه وسلم منزلتها وبلاءها في القتال. ومن أفضل ما روي في تلك المعركة عن السيدة أم عمارة وجهادها، ما أورده ابن سعد في الطبقات، حيث قال: ” وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وأنها لحاجزة ثوبها على وسطها، حتى خرجت ثلاثة عشر جرحًا، وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فدواته سنة، ثم نادى منادى رسول الله: إلى حمراء الأسد، فشدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم“. فقد كان بلاؤها سديدًا، حتى نافحت الرجال في قتالها، بدرجة جعلت جراحها عميقة وشديدة الخطورة.

وقد شهدت السيدة أم عمارة مع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وقد كانت بيعة العهد على الشهادة في سبيل الله دفعًا عن دينه. وعندما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بجوار ربه، أصيبت الجزيرة العربية بفتنة مسيلمة الكذاب وغيره ممن ادعوا النبوة وأفسدوا على الناس دينهم، فقامت مع الذين قاموا لمحاربة مسيلمة، وبذلت أبناءها في سبيل الله تعالى لقتال المرتدين، فقُتل ولدها حبيب بن زيد بن عاصم على يد مسيلمة. ولما كانت همتها رضي الله عنها عالية، أقسمت ألا يصيبها غسل حتى يقتل مسيلمة جزاء ما فعل، فخرجت مقاتلة في معركة اليمامة، وأقسمت على قتل مسيلمة بيدها، لكن في النهاية شاء الله أن يشارك ابنها عبد الله مع وحشيوهو قاتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب قبل أن يسلم، في قتل مسيلمة وتخليص العالم من شروره.

إن كل ما ذكرناه يعد قطوفًا سريعة ليس إلا عن دورها في الجهاد في سبيل الله، لأنها تحتاج إلى صفحات وصفحات، فذكرها خالد وأعمالها حاضرة في ذاكرة الأمة. وقد توفيت رحمها الله في سنة 13 هـ ، مخلدة تاريخًا كبيرة وذكرى لا تضيع.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!