خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

السيدة “سودة الأسدية” وحكمتها

ID 155020320 © Gajendra Bhati | Dreamstime.com

عُرفت بعض النساء بحكمتهن وعقلهن الراجح، ومن تلك النساء السيدة سودة الأسدية، إنها سودة بنت عمارة بن الأسد، صاحبة رأي ومشورة، مما ويروى عنها أنها استأذنت في الدخول على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، فلما دخلت عليه قال لها: “يا بنت الأسد ألستِ القائلة:

شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة … يوم الطعان وملتقى الأقران

وانصر علياً والحسين ورهطه … واقعد لهند وابنها بهوان

إن الإمام أخا النبي محمد … علم الهدى ومنارة الإيمان

وقد الجيوش وسر أمام لوائه … وارم بأبيض صارم وسنان

فقالت له: بلى يا معاوية، وما مثلي مَنْ رغب عن الحق واعتذر. فقال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب عليٍّ واتباع الحق. قال: والله ما أرى عليك من أثر علي شيئًا”. أي لماذا قلت ذلك نصرة لعلي رضي الله عنه، في حين أنه لا يظهر أثر تقى عليٍّ رضي الله عنه وورعه عليك.

لكنها لما رأت ذلك منه أرادت أن تهدأ الأمور فقالت: “أنشدك الله يا معاوية! لا تذكر ما مضى. قال: هيهات! وما مثلك، ومقام أخيك يسيئني، وما لقيت من أخيك. فقالت: صدقت يا معاوية، لم يكن أخي ذميم المقام، ولا خبيًا، وهو والله كقول الخنساء:

وإن صخرًا لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار

وأنا أسألك يا معاوية عفوك مما استعفيت به. قال: قد فعلت؛ فما حاجتك؟ فقالت: يا معاوية، إنك أصبحت للناس سيدًا ولأمورهم واليًا، والله سائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من يغرك ويبطش بسلطانك، ويحصدنا حصد السنبل، ويدرسنا درس العصفر، ويسومنا الخسف، ويسلبنا الحيل، هذا ابن أرطاة قدم علينا فقتل رجالي وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته. فشكرناك، وإما أقررته فعرفناك”.

أي أنها تشتكي جور الوالي الذي وضعه معاوية وما اقترفت يداه، فقال لها: أبقولك تهدديني؟ هممت أن أحملك على جمل أشرس وأسيرك إليه لينفذ فيك أمره. فأطرقت ثم بكت وأنشدت تقول:

صلى الإله على روح تضمنها … قبر فأصبح فيه الحق مدفونًا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً … فصار بالحق والإيمان مقرونًا

قال: ومن ذاك؟ قالت: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه”. أي أنها أظهرت له كرم الإمام عليّ لتحثه على السير على هداه وأن يكون منصفًا مثله. فقال: ولِمَ؟ قالت: أتيته في رجل ولاه علينا، ولم يكن بيننا وبينه إلا كما بين الغث والسمين، فوجدته قائمًا يصلي، فلما نظر إليّ انفتل من صلاته. ثم قال برأفة ورحمة: ألكِ حاجة؟ فأخبرته فبكى. ثم قال: “اللهم اشهد عليّ وعليهم أني لم أولهم وآمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة من جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها الرسالة التالية:

“بسم الله الرحمن الرحيم: “قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ”. إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك حتى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام”.

تقول سودة الأسدية: فأخذته منه وأوصلته إليه فامتثل ورجع عما كان فيه. فقال لها معاوية بعد أن سمع ما سمع: “اكتبوا لها برد مالها والعدل في حالها. فقال: ألي خاصة أم لي ولقومي؟ قال: بل لك. قالت: إذا الفحشاء واللؤم، هي والله إما عدلاً شاملاً وإلا فأنا كسائر قومي. قال: اكتبوا لها بحاجتها هي وقومها”.

لقد استطاعت السيدة سودة الأسدية بحسن حديثها ولباقتها أن تفخم الخليفة، وأن تأخذ حقها كاملاً، وأن تعيد كل ما أخذه الوالي من قومها من مال وضياع وغير ذلك، فدل ذلك على فطنتها وذكائها.