خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

شجاعة السيدة صفية بنت عبد المطلب يوم أحد

ID 159164719 © Shakeel Sm | Dreamstime.com

يوم أحد من أصعب الأيام التي مرت على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، إذ كان النصر متحققًا بالفعل لولا الثغرة التي أحدثها الرماة حينما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزلوا من أعلى الجبل لجمع الغنائم، فلما رأى خالد بن الوليد ذلك، وكان لا يزال مشركًا، ارتد بجنوده على المسلمين، وكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقتل، وفر بعض جنود المسلمين ثم عادوا مرة أخرى للقتال بعد ذلك.

شجاعة السيدة صفية بنت عبد المطلب

ظهرت في تلك الأزمة مواقف بطولية وأعمال تفوق الوصف، ونقف هنا أما موقف السيدة صفية بنت عبد المطلب الجسور في تلك المعركة، وكيف أنها رغم تقدمها في السن وعلمها بمقتل أخيها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، والتمثيل بجسده، لم تتراجع أو تخف أو تستسلم.

إنها السيدة صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، أسلمت مع النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت بالله تعالى، وقد هاجرت وقت الهجرة وسنها وقتئذٍ يقترب من الستين، تميزت بالإقدام والشجاعة وحب المغامرة مع الصبر والاحتساب وقوة العزيمة، كانت لها مواقف مشهودة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة في مواقف الثبات على الحق والقتال ودفع الأعداء، ومن ذلك أنها في يوم أحد قامت فجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أخيها حمزة وابنها الزبير رضي الله عنهما.

حثها للمسلمين ودعمهم

ظلت تساند المسلمين في أحد، فلما انكشف المسلمون وتفرقوا، قامت رضي الله عنها فانتزعت رمحًا من يد أحد الفارين والمنهزمين، وأخذ تشق الصفوف وتزأر كالأسد في المسلمين وتقول لهم: “ويحكم، أتفرُّون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!”. وهي تستغرب ما يحدث وتحاول جمع الشمل مرة أخرى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رآها الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى لابنها الزبير وقال: “ردَّها؛ فإن أخاها حمزة قد مثَّل به المشركون”. وكأن حال النبي صلى الله عليه وسلم يريد ردها حتى لا يصبها شيء مما أصاب حمزة رضي الله عنه. فذهب إليها ابنها وقال: “إليكِ يا أمَّاه…”. فعاجلته وردت عليه بحزم وثبات: “تنحَّ عني، لا أمَّ لك، أتفرُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!”.

فما كان من الزبير ابنها إلا أن قال لها: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرُك أن ترجعي”. وقد كانوا يقفون عند قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يتخطونه مهما حدث، لذا قالت لابنها: “الأمر أمر الله وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم”. ثم توقّفت وقالت بثبات وقوة وصبر: “إنه قد بلغني أنه قد مُثِّل بأخي، وذلك في ذات الله وفي سبيل الله والحمد لله”.

موقف النبي منها

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثباتها وأنها قد علمت ما حلّ بأخيها حمزة رضي الله عنه، أراد أن يخفف عنها ما نزل بها، فقال صلى الله عليه وسلم لابنها: “خلِّ سبيلها”. فقامت السيدة صفية رضي الله عنها في تلك الظروف العصيبة بخوض المعركة بشجاعة وصبر تحسدان عليهما حتى وضعت الحرب أوزارها وانتهت المعركة، وعندئذٍ سار إلى أخيها حمزة رضي الله عنه ووقفت عليه وقفة المنتصر، فوجدته قد بُقر بطنه، وأُخرجت كبده، وقُطعت أذناه، وجُدع أنفه، وقد تشوّهت معالم وجهه وملامحه، فلم تصرخ أو تلطم الخدود أو تشق الجيوب، بل أخذت تستغفر له في صبر ليس له مثل، وختمت ذلك بقولها: “إن ذلك في ذات الله، إن ذلك لفي ذات الله”. ثم ذرفت عيناها عليه الدموع، وقالت: “لأصبرنَّ وأحتسبنَّ إن شاء الله”.

فهل هناك شجاعة مثل تلك الشجاعة، وهل هناك صبر مثل ذلك الصبر؟ لقد قدمت السيدة صفية في ذلك الموقف درسًا مهمًّا في الثبات والشجاعة والتضحية، فرحمها الله تعالى وأجزل لها العطاء.