الشعر الغنائي: أنواعه وخصائصه ومراحل تطوره

فن 17 Shaban 1442 AH Contributor
الشعر الغنائي
© Etherled | Dreamstime.com

يتميز الشعر الغنائي عن غيره من الاتجاهات الشعرية الأخرى بأنه شعر وجداني تسيطر عليه العاطفة. ويبث فيه الشاعر مشاعره الهادرة والقوية. حيث يتخذ منه الشاعر طريقًا لقول ما يجول داخل نفسه من: فرح، وحزن، وحب، وغضب… وغير ذلك.

ويتم نظم الشعر الغنائي من خلال أوزان وبحور موسيقية تتناسب مع رهافة حس الشاعر ومدى إحساسه بما يكتب عنه. وقد ساعد هذا اللون الشعري في تفجير الطاقات الإبداعية للشعراء من أجل استغلالها في موضوعات شعرية متعددة، مثل: الوصف، والرثاء، والمدح، والحماسة، والحكمة، ومناجاة المحبوب، والفخر… وغيرها.

لقد كانت الموضوعات القديمة للشعر الغنائي تركز على التقلبات والعثرات في حياة الشخص أو القبيلة. ثم تطور الأمر مع التوسع الحضاري فركَّز الشعراء الغنائيون على التغني بوجدان الأمة ومفاخرها القومية، وبث روح الأمل بين الناس. وقد اتخذه بعض الشعراء وسيلةً لبث أحزانهم وشكواهم وعذاباتهم.

أنواع الشعر الغنائي

 هناك أنواع مختلفة من الشعر الغنائي، وكل نوع يعتمد على الغرض الذي قيل الشعر من أجله، ولذا فقد ظهر لدينا: شعر المراثي، وشعر الترنيمة، والشعر الرعوي، والغزل، وغير ذلك. فشعر الترنيمة يعتمد على تقديم الثناء والشكر والتمجيد في الأغلب لله سبحانه وتعالى أو لذكر بعض الأمور الدينية. في حين أن بعضًا منه ينصب حول القضايا القومية أو البطولية. أما شعر المراثي، فإنه يهتم بذكر محاسن الميت والتحسر عليه، وبث الأسى والحزن، وعامةً فإن الرثاء من الأغراض الشعرية المستقلة.

خصائص الشعر الغنائي

لا يقتصر الشعر الغنائي على الجانب المادي، بل إنه يركز جُل اهتمامه على النواحي الوجدانية والعاطفية، ويقوم جزء كبير منه اليوم بالاهتمام بالقضايا الذاتية الخاصة بالفرد أكثر من الجماعة. كما أن موضوعاته تأتي في أغلبها في إطار المشاعر الإنسانية وتقلباتها المستمرة. يمتاز هذا اللون من الشعر بـتأثيره على جمهور كبير لكونه يناجي القلب. كما أنه يهتم بالقضايا الفردية أو الذاتية، ولكنه لا يغفل القضايا العامة. وقد توارثت الأجيال أشعارًا غنائية متعددة. واستطاع الشعراء الأوائل أن يبدعوا فيه، وقد تطوروا الشعر الغزلي الصريح، إلى نوع آخر من الغزل سُمي الغزل العذري، وهو غزل عفيف لا يصف جسد المرأة أو يصورها.

مراحل تطوره

بدأ تطور الشعر الغنائي منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم. فقد شهد العصر الجاهلي انتشار هذا النمط بشكل كبير. خاصة وأن الشعراء كانوا يتنافسون فيما بينهم في موضوعات شعرية تدخل ضمن نطاق هذا اللون، مثل: الغزل، والفخر، والحماسة، والبكاء على الديار، والحزن على الفراق، وبث الشكوى واللوعة… وقد أنتج الشعراء الجاهليون قصائد غنائية جيدة للغاية وذات جودة عالية، ومن أهمهم: الخنساء بنت عمرو، وعنترة العبسي، وامرؤ القيس، والأعشى، وعدي بن ربيعة.

أما في العصر الإسلامي فقد تراجع الشعر الغنائي نتيجة أن بعض موضوعاته قد اصطدمت بالثوابت الإسلامية. كما أن الاهتمام قد انصب على فن الخطابة، إضافة إلى أن أغلب الشعر قد تم تكريسه للدفاع عن الإسلام وعن النبي (صلى الله عليه وسلم). ولكن العصر الإسلامي رغم ذلك لم يخلُ من وجود بعض الشعراء الغنائيين، مثل: متيم بن نويرة، وحطان بن المعلي.

وحين جاء العصر الأموي انتشر الشعر عامةً، والشعر الغنائي خاصةً. لأن الشعراء اهتموا به بدرجة أكبر عن ذي قبل، وخاصة في غرضي المدح والغزل، ولكنّ الأمر لم يستمر طويلا وخاصةً بعد أن قامت بعض القبائل بإهدار دماء بعض الشعراء الذين ذكروا أسماء بناتهم في قصائدهم الغزلية.

ولذا فإن مساحة الشعر الغنائي والوجداني قد بدأت تتقلص شيئًا فشيئًا. ومن أبرز شعراء الغزل في هذا العصر: جميل بثينة، وعمرو بن أبي ربيعة. وفي العصر الحديث طرأت مجموعة من التغيرات على الشعر الغنائي، سواء في موضوعاته أو في شكل القصيدة وإطارها الفني، ولكن رغم ذلك بقيت له قيمته وحافظ على صموده، ومن أبرز شعرائه: أبو القاسم الشابي، وبدر شاكر السياب، وأحمد شوقي، وإيليا أبو ماضي.

 

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي وشاعر