خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الصحابية المقاتلة أم حكيم

هي صحابية مقاتلة التفت حول النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لها دورها المؤثر، وسندرك من خلال سيرتها أنها لم تكن امرأة عادية مثل باقي النساء، بل كانت رضي الله عنها امرأة بألف، وهي نموذج معبر على أن المرأة لم تكن بمعزل عن الحياة والأحداث المؤثرة في التاريخ الإسلامي، بل أنها كانت مشاركة للرجل في المعارك الحاسمة وكانت تقدم جهدًا كبيرًا وتقوم بأدوار لا تقل أهمية عما يقوم به الرجال.

ونتوقف في تلك الأسطر أمام الصحابية الجليلة أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية، خالها هو سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعما هو أبو جهل عمرو بن هشام، وأما أمها فهي فاطمة بنت الوليد أخت سيف الله المسلول، ولها أخوان هما: مالك بن الحارث، وعبد الرحمن بن الحارث، وهي عمة التابعي أبو بكر بن عبد الرحمن. ومن الغريب أنها قبل إسلامها كانت من أشد المعادين للإسلام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل الذي أقحم نفسه في معارك كثيرة ضد المسلمين، وقد شاركت أم حكيم في غزوة أحد قبل أن تُسلم لتقف بجانب رجالات قريش وتشد من عزمهم، وقد هداها الله للإسلام بعد فتح مكة، وقامت بمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها واجهت مشكلة كبيرة، حيث إن زوجها كان لا يزال على كفره وعناده فقام بالفرار إلى اليمن.

وتظهر شخصية أم حكيم في ذلك الموقف، إذ ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبت منه الأمان لزوجها إن عاد ليدخل الإسلام، فمنحها النبي عليه الصلاة والسلام الأمان وأبلغها أنه قد صفح عنه، فاندفعت فرحة تبحث عن زوجها، فلما وصلت إلى مكان اختبائه أخبرته البشرى فعاد معها وأعلن إسلامه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد دلّ ذلك الموقف على وفائها وشجاعتها لإعادة زوجها إلى بلده وهدايته إلى الدين القويم.

شاركت أم حكيم رضي الله عنها في معارك الإسلام، وكان أكثرها تأثيرًا معركة اليرموك، وظلت خلف الصفوف لتداوي الجراج وتسعف المصابين، وتعيد المرتدين عن القتال واحدًا تلو الآخر، وقد استشهد في تلك المعركة زوجها عكرمة بن أبي جهل، وكانت من عادة العرب أنه إذا مات رجل من أصحابهم أن يسرعوا في الزواج من امرأة وفاءً له، وليس حبًّا في الزواج، ولذا تقدم اثنان من الصحابة لخطبتها في تلك الظروف العصيبة، إذ كانت المعركة ما زالت مستمرة، وهما: يزيد بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنهما. وبعد انقضاء العدة اختارت أن تتزوج من خالد بن سعيد بن العاص، وأقيم العرس في ظروف صعبة للغاية، ونصبت لهما خيمة لذلك، وأقيمت الولائم في منطقة “مرج الصفر” عند قنطرة على النهر تم تسميتها بقنطرة “أم حكيم”. وفي تلك الظروف الصعبة لم يدم زواجهما إلا ليلة واحدة، إذ أقبلت جيوش الروم وهجمت على المسلمين، فخرج المسلمون يدافعون عن أنفسهم، وظل خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه يقاتل ببسالة إلى أن نال الشهادة في سبيل الله.

لما بلغها الخبر باستشهاد زوجها على أيدي الروم، قامت بشجاعة متناهية بخلع عمود خيمتها التي تزوجت فيها بالأمس، وشدت عليها ملابسها، وخرجت تقاتل أشد ما يكون القتال بشهامة وإصرار حتى قتلت سبعة من الروم بذلك العمود. وقد ذكر الإمام الذهبي ذلك الموقف فقال: “التقوا على النهر عند الطاحونة، فقتلت الروم يومئذ حتى جرى النهر وطحنت طاحونتها بدمائهم فأنزل النصر، وقتلت يومئذ أم حكيم سبعة من الروم بعمود فسطاطها”. (سير أعلام النبلاء)

وقد تقدم إلى خطبتها بعد مدة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتزوجت منه، ولكنها لم تعش طويلاً، فقد توفيت بعد ولادتها لابتها فاطمة، فماتت في نفاسها، فأصبحت بذلك شهيدة. وهي بذلك تكون قد تزوجت بثلاثة من الشهداء وهم: عكرمة ابن أبي جهل، وخالد بن سعيد بن العاص، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين. تلك قطوف من حياة تلك الصحابية الصابرة المحتسبة المقاتلة.