خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الصقالبة في الأندلس

الأندلس
ID 170330353 © Pavel Kirichenko | Dreamstime.com

كان الصقالبة في الأندلس مجموعة من العبيد والأرقّاء والسبايا، والذين أصبحوا فيما بعد عنصرًا مهمًا من عناصر المجتمع الأندلسي. وشكلت طبقة الصقالبة الخدم الذين قام بجلبهم النخاسون الجرمانيون واليهود أطفالاً، وقاموا ببيعهم في الأندلس. ويطلق مُسمى الصقالبةالسّلافعلى أمة تعود إلى أصل واحد، وأكثر من ذكرها هم مؤرخو اليونان والرومان والعرب، ولكن أكثر أقوالهم لا تدل دلالة صريحة على أصل مرجعها، واسم الصقالبة بالإفرنجية سلاف.

وقد أطلق الجغرافيون العرب تسمية الصقالبة، كي تدل على مجموعة من الشعوب المتحررة من أصول شتى كانت تنزل الأراضي المجاورة لبلاد الخزر بين القسطنطينية وأرض البلغار، ومنهم مَن سكن شمال القارة الأوروبية، وعلى ضفاف نهر الفولغا، وهو نهر يقع في روسيا.

وأطلق لفظ الصقالبة في البداية على الأسرى الذين تأسرهم الشعوب الجرمانية في حروبها ضد الشعوب الصقلبيّة، ثم يبيعونهم إلى مسلمي الأندلس، ولكن ما لبث هذا الاسم أن انسحب على أناس من أجناس أخرى، حتى شَمِل جميع الأجانب الذين كانوا يستخدمونهم في الجيش أو لحراسة الحريم أيًّا كان أصلهم.

ويمكن تقسيم الصقالبة من خلال أقوال والمؤرخين إلى ثلاثة أقسام: صقالبة العرب: يشتملون على البولنديين والتشيكيين والسلوفاكيين، وعناصر أخرى صغيرة في شرقي ألمانيا. وصقالبة الشرق: وهم الروس، والأوكرانيون، والبيلاروسيون. وصقالبة الجنوب: ويتمثلون في الصربيين والكرواتيين والسلوفينيين والمقدونيين والبلغاريين.

وقد أطلق لفظ الصقالبة في الأندلس على الأسرى والخصيان من الأجناس الصقلبيّة السلافية، وكان لهم دور بارز في السياسة في الأندلس، يتناسب مع ازدياد عددهم، حتى إنهم كونوا طبقةً اجتماعيةً تشبه إلى حد ماطبقة المماليك الأتراكفي المشرق الإسلامي.

وفي عهدالحكم بن هشام، ظهر الصقالبة في البلاط بكثرة وتوسع الحكم فاستكثر منهم، وعهِد إليهم بمعظم شؤون القصر، واشتد نفوذهم في عهد عبد الرحمن الناصر، فقد كانوا يتولّون المناصب المرموقة، وكان لبعضهم عبيد خاصون بهم. وكان الناصر يمدّ لهم في السلطان والنفوذ، ويرغم أشراف العرب وزعماء القبائل على الخضوع لهم.

وأما في عصر الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر، فقد أصبح لهم ثراء فاحش، ومن ذلك أنه كان للحكم مولى يقال له درّي الخازن وكان ذا مكانة، قام بإهداء مولاه الخليفة الحاكممنيته الغراءوهو مُنْتزه فيوادي الرمانمن ضواحي قرطبة، وقد أفاض عليها بأروع صنوف البذخ والبهاء وجعلها جنةً حقًّا، وقبِل الخليفة الهدية منه، وقد أجمع الخليفة ومرافقوه على أنهم لم يشاهدوا في المنتزهات السلطانية ما يوازي هذا العمل.

ومع ذلك فإنهم كانوا شُؤمًا على الخلافة الأمويّة في قرطبة، فقد خاضوا غمار الفتن، وكان لهم يدٌ في جميع المؤامرات التي دُبرت في قرطبة، وقد عُرفوا بروح الإقدام والطمع والاستبداد، ويبلغون أقصى قوتهم إذا كان الحاكم ضعيفًا، وحين انهارت الخلافة الأموية في الأندلس، فرّ الصقالبة إلى شرق الأندلس، حيث أقاموا الدويلات الصقلبيّة.

ولا شك أن هؤلاء الصقالبة تركوا أثرًا حضاريًّا في الأندلس، فهم وإن كانوا قد فقدوا كلّ صلة ببلادهم الأصلية، واعتنقوا الإسلام وأتقنوا اللغة العربية، فإنهم رغمًا عن ذلك قد جلبوا معهم بعض العادات الاجتماعية والتقاليد الثقافية والفنون الشعبية، والمفردات اللغوية التي تعلموها في صغرهم.

وقد لعبوا دورًا سياسيًّا وثقافيًّا في تاريخ الأندلس، حيث تأثروا بالحضارة العربية والإسلامية وظهر منهم مثقفون كثرٌ وعلماء ومفكرون وشعراء، وكان الفتى فاش من أكثرهم شهرة، فقد كان من أبرع العارفين منهم باللغة والأدب، ولا نظير له في معرفة كلام العرب في أيام الخليفة المنصور. ومنهم كذلك حبيب الصقلبي، فقد صنّف كتابًا أشاد فيه بفضل أدباء الصقالبة في الأندلس.

ومع هذا كله فإن الصقالبة لم يندمجوا في المجتمع الأندلسي، بل كان لهم كيانهم المستقل، وأسلوبهم الخاص.