خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الطاعون في العصر الأموي وآثاره على بنيان الدولة

ID 148125622 © Vily6075 | Dreamstime.com

يعد داء الطاعون من أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ، نظرًا لأنه داء سريع التفشي والانتشار، وهو قاتل ولا علاج محدد له، وينتقل بين البشر. وعامة فقد احتل الطاعون مكانة كبيرة في تراثنا العربي والإسلامي، إذ نُظر إليه بوصفه كارثة إنسانية كبرى لا مثيل لها، وكان مثارًا لطرح أفكار وتساؤلات عديدة دينية وفلسفية وفكرية حول هذا المرض، بخلاف جانبه المرضي والوقائي، وأبرز تلك التساؤلات بكل تأكيد: هل هذا المرض، بوصفه وباءً جماعيًا لا يميز بين البشر، يعد عقابًا من الله للناس كافة على ذنوبهم وأفعالهم؟ هل هناك ما يمكن تسميته بالعدوى؟ وإن كان هذا موجودًا فهل المرض معديًا بذاته، أم لعلة خلقها الله؟

كان داء الطاعون في تلك الفترة منتشرًا على مراحل مختلفة، لكن أوج مراحل انتشاره كان في الفترة السابقة لحكم يزيد الثالث بن الوليد الأموي القرشي، والذي لم يدم حكمه إلا ستة أشهر حديث مات بالطاعون في عام 126 هــ، وكان الانتشار بين المدن يتم على مراحل، وقد يمتد الطاعون في مكان ما سنة أو سنتين، وبعد عدة سنوات يعاود الظهور من جديد، في الكوفة مثلاً كانت بداية الطاعون في سنة 50 هــ، لكنه سرعان ما تجدد الطاعون في سنة 53 هـ/ 672 م، أي بعد أقل من ثلاثة أعوام من ظهوره الأول، وقد أصيب به زياد بن أبيه والي المدينة حينها وقضى به.

لقد شكل الطاعون في تلك الفترة نوعًا جديدًا من البحث الذي تداخلت فيه علوم شتى محاولةً الإيضاح والتفسير، مثل: الحديث، والفقه، التاريخ، والفلسفة، الطلب. وقد لمح الباحث أحمد العدوى تلك المسألة فأثرت تساؤلاته وعقد لها كتابًا خاصًا أسماه: “الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث، وصف فيه الطواعين وعملها، ومدى تأثيراتها وخاصة على الحياة في الدولة الأموية، مقدمًا ذلك بالإحصائيات، ومتتبعًا لها ابتداء من عهد معاوية بن أبي سفيان إلى عهد مروان بن محمد،

يذكر العدوي الطواعين التي ضربت الدولة الأموية فيقول: “شهدت تلك الحقبة من تاريخ العالم الإسلامي نحو 20 طاعونًا، بمعدل طاعون واحد لكل 4 أعوام ونصف تقريبًا، وهو معدل هائل، وتكفي المقارنة بين هذا المعدل ومعدل تجدد الوباء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا في العصور الوسطى المتأخرة للتدليل على عمق الأثر الذي خلفه الطاعون في العصر الأموي”.

ويصف العدوي حجم الكارثة التي ألمت بالمسلمين في تلك الفترة، وما خلفته من ضحايا فيقول: “فعلى الرغم من أننا نفتقر كليًا إلى الوثائق المتعلقة بهذا العصر، فإن تحليل بعض الأخبار الموثوقة التي وردت في بعض المصادر الأدبية… بناء على المعطيات المتوافرة.. أقَدّر نسبة الناجين إلى الضحايا بـ 1: 14 ضحيةً في المتوسط، وهي نسبة كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. كما يناقش الفصل هذا أثر الوباء على صعيد الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العصر الأموي”. بما يعني أن الدولة تأثرت بشدة من تلك الطواعين، ولم تصفو حياة الناس إلا فترات قليلة لا تكاد تذكر.

وقد خلف ذلك آثارًا سلبية كان أبرزها هجرة خلفاء بني أمية لدمشق واتخاذهم من الصحراء والمناطق البعيدة عن المدن ملاذًا آمنًا لقضاء أغلب الوقت هناك، إضافة إلى تعمير البقاع الخاوية بسبب الطاعون بإعادة التوزيع الديموغرافي لعدد من السكان بالأمر المباشر، حتى لا يحدث خلل ويتركز الناس في مناطق بعينها، ويتم هجران البقاع والأماكن الأخرى مما يؤثر على حركة الحياة والأنشطة المتاحة في تلك المناطق، ويتسبب في فقدان الأرض يومًا بعد آخر.

ومن المفارقات العجيبة أن يكون طاعون مسلم بن قتيبة سببًا مؤثرًا في سقوط الدولة الأموية، حيث أصيبت البصرة به، ومات واليها مسلم بن قتيبة به، وامتد مدة ثلاثة أشهر، وذكر المؤرخون أنه كان يقتل يوميًا ما يزيد على ألف نفس, فلما عجزت الدولة الأموية على السيطرة عليه، كان ذلك مع مرور الأيام من معاول سقوطها.