خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

العابد الزاهد حاتم الأصم ومواقفه

ID 91243641 © Hikrcn | Dreamstime.com

إنه العابد الزاهد حاتم الأصم الذي عاصر الإمام بن حنبل رحمه الله تعالى، عُرف عنه التقوى والصلاح، واشتهر بمواقفه الحميدة وسجاياه المجيدة، فكان له سيرة حسنة وشخصية مؤثرة. وهو حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ؛ كان ممن عُرف بالزهد، واشتهر بالورع والتقشف، وله كلام رائع في الزهد والحِكم، فتضاعف قدره وعلت مكانته بين أهل زمانه، رويت عنه الروايات والقصص العجيبة والأشياء الفريدة، فكان بحق عابدًا زاهدًا من أصحاب الألباب.

مما يروى عنه أنه قدم حاتم بغداد في أيام أبي عبد الله أحمد بن حنبل واجتمع معه، ومن ثم اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا: يا أبا عبد الرحمن “وتلك كُنيته”، أنت رجل أعجمي “أي ليس من أهل بغداد”، وليس يكفك أحد إلا قطعته لأي معنى؟ “يعنون قدرته على هزيمة الخصوم”، فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر علي خصمي “أي يهزمهم”، قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا أخطأ، وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فقال: سبحان الله ما أعقله من رجل!”. أي أنه كان يفرح إذا تفوق عليه أحد ويحزن إذا أخطأ هذا الخصم، ثم إنه يخفض نفسه ويقلل من قدره بجوار خصمه.

ويقول أبو جعفر الهروي: “كنت مع حاتم مرة وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال: يا أبا جعفر، أحب أن ألقى أحمد بن حنبل، فسألنا عن منزله ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله أخوك حاتم. قال: فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به: أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس؟ “يقصد كيف يتقي شرورهم”، قال: يا أبا عبد الله في ثلاث خصال، قال: وما هي؟ قال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئًا، وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقًّا، وتحمل مكروههم ولا تُكرِه واحدًا منهم على شيء. فأطرق أحمد ينكت بإصبعه الأرض “أي يضع إصبعه في الأرض”، ثم رفع رأسه وقال: يا حاتم، إنها لشديدة، فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم”. أي ليتك بعد كل ذلك تسلم من أذاهم.

وجاء رجل لحاتم رحمه الله فقال له: “على أي شيء بنيت أمرك؟ قال: على أربع خصال: على ألا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي، وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو، وعلى ألا أغيب عن الله طرفة عين”. وجاء رجلٌ آخر لحاتم الأصم فقال له: “بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد، “والمقصود تتخطى القفار المجدبة والصحاري بلا طعام أو شراب”، فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال: وما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكًا لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله وعياله، والأسباب والأرزاق بيد الله، وأرى قضاء الله نافذًا في كل أرض لله. فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة”.

وكانت لحاتم همة على الطاعة، ومن ذلك أنه كان يقول: “جعلت على نفسي إن قدمت مكة أن أطوف حتى أنقطع، وأصلي حتى أنقطع، وأتصدق بجميع ما معي، فلما قدمت مكة صليت حتى انقطعت وطفت كذلك فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقوَ على الأخرى”. وقال حاتم أيضًا: “خرجت في سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البريّة فكان قلبي في السفر والحضر واحدًا”. أي لا يفرق بين الأمرين لحسن ظنه بالله وثقته فيه وزهده في الدنيا.

وقيل لحاتم ذات يوم: من أين تأكل؟ فقال: “ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون”. وكان حاتم يقول: “لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد، فما طمع الشيطان أن يوسوس إليَّ في شيء مِن أرزاقهم”. أي أن الشيطان لم يوسوس له بأن هذا العدد كبير، فمن أين تأتي إليهم بأرزاقهم، لأنه يعلم أن هذا الرجل يُحسن الظن بالله تعالى ويعلم أن الأرزاق بيده.

 

المرجع: وفيات الأعيان، ابن خلكان.