العدل أساس الملك

Mosquée Okba (Uqba), Kairouan, Tunisie

لا شك أن العدل صفة من الصفات التي ما وُجِدت في شخص أو مجتمع إلا وكانت مؤثرة في إقامة بنيانه وشاهدةً على علو رفعته وكيانه، فهي أساس البناء والتعمير والنماء. ويمكن لأي مجتمع أن يتحلى بصفات عدة وتنقصه صفات كثيرة، إلا صفة العدل فإن ضاعت فَقَدَ المجتمع اتزانه وغابت حقوق الناس، وضاع الأمن والاستقرار وأصبح الظلم عاهة تطارد الناس خاصة الضعفاء منهم. ويعرف العدل بأنه المساواة في إعطاء الحق لصاحبة دون زيادة أو نقصان ودون تفرقة بين أحد منهم على أي أساس من الأسس. ويمثل العدل أهمية كبرى لجميع البشر لكونه يحقق صلاح الأفراد والمجتمعات، ويحقق السعادة والاطمئنان ويحصن الأملاك والحقوق، ويعصم الدماء والأرواح، ويساهم في حماية المجتمع من الشقاق والنزاع والخصومات.

وقيمة العدل من القيم الراسخة في الإسلام، فقد جاء الإسلام ليقيمها بين الناس، فساوى بين أتباعه على اختلاف أجناسهم وألوانهم، وجعل العبرة والأفضلية بتقوى الله تعالى، فلا فضل لأحد على أحد، ولا ميزة في شيء دون آخر. لقد كان العدل في المجتمع الإسلامي الأول بارزًا بصورة أوضح، فجميع طوائف المسلمين واحدة، لا فرق بينها، لقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين بعد الهجرة بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل واحد من المهاجرين أخًا من الأنصار، لم يكن مع المهاجرين شيء، فأغدق عليهم إخوانهم من الأنصار ما يحتاجون إليه، ولما كانت نفوس المهاجرين عزيزة رفضوا ذلك واتجهوا للعمل لكسب قوتهم، والتحم المجتمع المسلم من خلال العدالة وأصبح مجتمعًا فريدًا وصل إلى أقاصي الأرض بعد ذلك من خلال عدالته وحرصه على المساواة وصيانة الحقوق لجميع من يحيون على أرض الإسلام حتى إن لم يكونوا مسلمين.

وهناك نوعان من العدل، الأول عدل دنيوي يكون في التعاملات والمصالح وتدافع الناس في الحياة. والثاني عدل أخروي، وهو متعلق بالآخرة والأعمال والعقاب، فمن عمل حسنة فلنفسه ومن عمل سيئة فلنفسه أيضًا، وهكذا يكون مبدأ الثواب والعقاب واحد عادل من عند الله تعالى.

ويعد العدل أساس أي ملك يمكن أن يقام على هذه الأرض، فمن غيره لا يمكن لدولة أن تقوم ولا ملك أن ينتصب واقفًا، فهو غاية ما يصبو إليه الإنسان، وصفة مهمة لتماسك المجتمعات والأوطان، ولعلنا نتذكر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف امتدت الدولة الإسلامية في عهده من خلال عدله وإحسانه بين الناس، فقد حكم فعدل فأمِن فنام تحت شجرة لا يخشى شيئًا، لم يظلم أحدًا ليخاف أو يرتاب، لم يظلم مسلمًا أو معاهَدًا، وصل إلى الأقصى ماشيًا خلف غلامه الراكب لأن القسمة اقتضت ذلك، ولذا حصّل كنوز كسرى ووصل جيشه إلى تخوم الروم، وفتح مصر والشام والعراق، واتسعت بلاد الإسلام بصورة كبيرة للغاية.

ولذا فإن تحقيق العدل سيؤدي إلى اتساع الملك وثبات أركانه، فمن خلاله سوف يحصل الناس على حقوقهم كاملة ومن ثم يؤدون واجباتهم كاملة أيضًا، كما سيشعر الناس بالأمان والطمأنينة والاستقرار، وهذا بدوره سيدفع عجلة الإنتاج والعمل ويحفز الناس على بذل جهدهم لرفعة أوطانهم، لأنهم يشعرون بأن حقوقهم محفوظة غير مهدرة، وأن العدالة هي الفيصل، ولذا لا يلجأون إلى مسالك أخرى لكي يحصلوا بعض المال، لأنهم يعلمون أن تلك الطرق مغلقة ولا فائدة منها، وأن الحق في أيديهم ما داموا أمام العدالة واحد لا تفريق بينهم.

فعندما تكون السياسات ظالمة فإن المجتمع سيشعر بالنقص وتظهر فيه الأحقاد والبغض والاضطهاد والدمار، وتصبح العدالة بعيدة عن أبنائه أو أتباعه ويغدو المجتمع معرضًا للضياع والخراب، فلا أحد سيحرص عليه وعلى ما فيه، لأنهم لا يشعرون أنهم شركاء في وطنهم ومؤسساتهم. إن غياب العدل عن المجتمعات، ضياعٌ للملك بكل ما فيه من قوة ومنعة، فلا حياة ولا استقرار دون العدل.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!