خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

العزلة وأثرها في توليد نوازع النفس

anandu-vinod-pbxwxwfI0B4-unsplash
Anandu Vinod-Unsplash

يظن البعض أن اعتزال الناس، وعيش الحياة في صمت ووحدة قاسية وصارمة، يعد الباب الوحيد للانتصار على النفس وتخليصها من نوازعها، وهذا خطأ جسيم لا يدركه كثير من الناس، لأن التجارب والدراسات العلمية والاجتماعية والنفسية أثبت أن ذلك غير صحيح بالمرة، بل إن نتائجه سلبية سواء على الفرد أو المجتمع، ثم إن ذلك ضد الفطرة السوية السليمة التي خلق اللهُ الناسَ عليها ليتعارفوا وتأتلف قلوبهم، ويحدث التعايش بينهم، ثم إن العزلة في حد ذاتها فرصة لتسرب تلك النوازع إلى النفس، وأيضًا فرصة لأن يبث الشيطان أفكاره في عقل الإنسان الذي يحيا وحيدًا لا يخالط الناس، بحيث تكون لديه أوقات فراغ كبيرة ويود أن يشغلها بشيء فلا يجد، وهنا تبدأ نفسه تسول له أن يفعل كذا أو كذا، فيصبح صديقًا لنوازع نفسه، ولا يجد من يد له يد العون فينتشله مما هو فيه.

لا يعني الانعزال عن الحياة أن المثيرات ستبتعد عنك، فليس صحيحًا أن يعيش الإنسان في معزل عن أحداث الحياة بمثيراتها وشهواتها، لكنّ الموقف الموفَّق إذن في هذه الحالات يتمثل في أن الهجوم هو أكبر وسائل الدفاع على الإطلاق، فما عليك إلا الهجوم بالتغيير المناسب لما تراه أمامك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن رأى منكم منكرًا فليغيره…”، لأن ذلك من أكبر أسباب النجاح، وكيف لك أنت تنجح في مباراة لا تود خوضها، حتمًا ستفشل، ولذا فإن التغيير يكون: “بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل(رواه مسلم). أي أنك ستغير بأي شيء تقدر عليه، وستتفاعل مع الأشياء فترفضها أو تقبلها، دون أن تعزل نفسك وتميت قدراتك.

علينا أن نعي جيدًا أن الفشل في الهجوم، يعني الفشل في الدفاع، ولذلك كن أنت سيد الموقف، وإن لم يتسنَ لك ذلك مباشرةً فلا بأس أن تطلق تفكيرك في التخطيط والترتيب المناسبين لإزالة المنكر ولو نظريًّا؛ تخيل أن بيدك بعض زمام الأمور، فماذا ستفعل؟ حاول مخاطبة الناس بالمشكلة الموجودة: كيف وجِدت ولماذا لا تزول؟ خاطب أصحابك أو أقاربك بالمشكلة، اتصل بالقائمين عليه بإرسال خطاب أو رسالة عتاب، ألِّف مقطوعة أدبية تسجل فيها الصراع مع النفس، وتصف فيها لذة النصر على الإثارة، والشعور بفرحة الظفر على إغراء الشيطان، المهم أن تعبر حسيًّا عن تغييرك وتفاعلك، فإنه لا بد لك ولكل مسلم من إنكار ذلك، وإلا كان هذا هو الاعتراف بالهزيمة قبل بدء المعركة.

ونجد كثيرًا ممن يستغرقون في الخيال والتصورات، وإذا بهم ينساقون إليها من حيث لا يشعرون، فما الحيلة في ذلك؟ يلجأ الإنسان للخيال منذ صغره ويقلّ كلما كبُر به العمر، لأنه يقتنع أن الخيال لا يحقق شيئًا في واقع الأمر، بل ربما يؤثر هذا الخيال على تصرفات الإنسان، فيعمل ما لا يرضي الله، ونعني بالخيال هنا التصورات والمثيرات، وليس الخيال الإبداعي المفيد، ولا شك أن: “النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتكَ بالباطل، كما قال الشافعي رحمه الله. وإشغال النفس بالحق يأخذ صورًا كثيرةً أعلاها: العبادة؛ من صلاة ودعاء وذكر وقراءة القرآن وحفظه. ومن إشغال النفس بالحق: التعاون مع الأصحاب والأصدقاء على الدعوة إلى الله، والقيام بأعمال جماعيّة من رحلات وزيارات تجمع بين الترفيه والمتعة والفائدة، ومن إشغال النفس: الاطلاع والقراءة في الكتب والمجلات الإسلامية أو العلمية، ومن إشغال النفس أيضًا: صدّها عمّا حَرّم الله بقضاء بعض الوقت فيما أحله الله من هويات مختلفة ورياضة.

إن النفس هي الشيء الأكثر أهمية عند كل منا، فإذا استقامت وتخلصت من نوازعها وخيالاتها، ومن شرورها جميعًا، صفت فكانت خيرةً ومحبةً للآخرين، وميالةً إلى الخير، بعيدةً عن الشر، متفاعلة مع المجتمع وسعيدة باطنًا وظاهرًا.