خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

العظات المستفادة من جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل

ID 12785386 © Vitez | Dreamstime.com

كانت مسألة قتل قابيل لأخيه هابيل من الأمور المؤثرة، خاصة لأنها جرّت بعدها جرائم القتل الأخرى، فقد صار القتل من يومها أمرًا واقعًا، فهو مثل كل شيء يحدث ويعمله الناس فيقلدونه عندما يكونون في حاجة له سواء كان خيرًا أم شرٍّا. ولكن تلك القصة نظرًا لكونها تمثل الوجه الأولى لتلك الجريمة، فإن بها دروس وعظات جمة يجب أن نتوقف أمامها حتى لا نقع من مثل هذا الجُرم.

ومن العبر والعظات المستفادة من تلك القصة، أن القرآن كتاب منزل من عند الله تعالى، فرغم كون القصة قديمة جدًا، ولم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم علم بها، فقد أخبره الله بها مثل غيرها من أحداث وأمور غيبية، قال تعال: “تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا”. (سورة هود: 49)

ثانيًا: نعتبر من تلك القصة في معرفة أن إخلاص النية قولاً وعملاً، هي الأساس القويم لقبول العمل، وأصل التقرب إلى الله تعالى: “إنما يتقبل الله من المتقين”. (سورة المائدة: 27)

ثالثًا: أن نتعلم أن الحياة تحمل جوانب الخير والشر، وأن الاثنين يعيشان معًا، فهابيل كان خيرًا، في حين أن أخيه قابيل كان شريرًا، وهما من أب واحد وأنشئ النشأة ذاتها، ولكن كانت الدوافع عند كليهما مختلفة.

رابعًا: نتعلم من تلك القصة أن الحسد رذيلة إذا ما تمكنت من نفس إنسان، فإنها تكون بابًا من أبواب هلاكه، فقد كان حسد قابيل لأخيه هابيل سببًا حقيقيًا في قتل أخيه، ولذا وجب الحذر من الحسد لعواقبه الوخيمة، ونتيجة لجرأة قابيل وقيامه بهذا الوزر العظيم، فإن النبي يحذرنا من جزاء فعلته بقوله: “لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ “نصيب” من دمها؛ وذلك لأنه أول من سن القتل” (متفق عليه). وأخرج الطبري عن عبد الله بن عمرو، قال: “إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب، عليه شطر عذابهم”. أي يأخذ نصيبه من العذاب وفقًا لجرائم القتل التي قاموا بها، لأن قابيل هو المثل الذي ساروا خلفه واقتدوا به، فكان له شطر من عذابهم في النار.

خامسًا: تمنحنا القصة عبرة مفيدة في مسألة الندم الذي شعر به قابيل بعد قتل أخيه، فرغم أن الندم ألم به، فإن ذلك لم يرفع العقوبة عنه، فالندم والتأثر أمر طبيعي على الذنوب والمعاصي التي يقترفها الإنسان. وهذا بخلاف الندم المتبوع بتوبة خالصة لله تعالى، حيث يخلص الإنسان النية إلى عدم الرجوع إلى مثل ذلك الذنب أبدًا مستقبلاً، مع الأسف على ما فات، والتحسر على ما قصر في حق الله تعالى، مع رد حقوق الناس ودفع المظالم لهم، وعقد النية على الالتزام بالأمر والانتهاء عن النهي، مع المعرفة اليقينية بأن الله يعفو الذنب ويقبل التوب، وأنه رحيم بعباده، وأن الإنسان لن يدخل الجنة بعمله مهما فعل من خيرات، ولكنها رحمة الله بعباده وفضله عليهم.

لقد كانت تلك القصة عبرة وعظة في فهم تلوث النفس البشرية بداء الحسد والبغضاء والغل والغيرة، لأنها مشاعر سلبية تحمل المرء على الآثم وتعينه على نفسه فيقع في مراتع الفاحشة، ويسقط في مهاوي السيئات. فها هو قابيل لا يرضى بقبول عمل أخيه، فيحسده ويغار منه، فإذا به يخطط لقتله ويخبر أخاه بسوء نيته، لكن هابيل يستعيذ بالله أن يواجه القتل بمثله، وأن يأتي بالمنكر فيضيع عمله، ولكنه وبكل نقاء يرفض ذلك طالبًا من الله تعالى الثواب والأجر والصبر على البلاء، فتكون عاقبته من جنس عمله، وفي الطرف المقابل يقف هابيل ممتلئًا بالشر والحسد، ولكنه رغم كل ما فعله، لم يحصل على ما كان لأخيه من الغفران وقبول العمل، بل لحقه الخسران المبين، ولو تدبر وصبر وأخلص العمل لله، وعاود طرق الباب لفتح له بإذن الله تعالى ورحمته وفضله.