خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

العلماءُ ورثة الأنبياء

ID 99687796 © Hayati Kayhan | Dreamstime.com

لا يوجد شرف يضاهي شرف العلم والعلماء، فالعلماء هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وقد فسر ابن تيمية قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ “. (سورة النساء: 59)، بقوله: “أولو الأمر صنفان: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صَلَحَ النَّاس، وإذا فسدوا فسد الناس”. ولذا يجب ألا نفهم أن المقصود بـ “أولو الأمر” على أنهم أهل السلطان فقط، بل هم المختصون في مجالاتهم وأصحاب العلم والشرف والفضل من العلماء.

والعلماء هم أحق الناس معرفةً بالحلال والحرام، والحق والباطل، ويفرقون بين الضار والنافع، وهم حماة الشريعة، يرشدون التائه ويهدون الحائر إلى الصراط القويم، ويكفيهم فخرًا اقترانهم باسم الله تعالى وملائكته: “شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ”. (سورة آل عمران: 18)، قال القرطبي في تفسير تلك الآية: “هذه الآية دليلٌ على فَضْل العِلْم وشرف العُلماء، فإنَّه لو كان أحدٌ أشرف منَ العلماء، لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته”.

لقد شرّف الله العلم وأهله، وجعل لهم المنزلة السابغة والشأن الرفيع العالي، فقال تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”. (سورة المجادلة: 11)، قال ابن القيم رحمه الله: “قد أخبر سبحانه في كتابه بِرَفْع الدَّرجات في أربعة مواضع، ثم قال بعد أن عددها: فعادت رفعة الدَّرجات كلها إلى العلم والجهاد اللَّذَين بهما قِوامُ الدين”، ودل ذلك على فضل العلم والعلماء، وفي الحديث الذي رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طُرُق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنَّ العالِمَ ليستغفر له مَن في السَّموات ومَن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورَّثوا العلم، فمَن أخذه، أخذ بحظٍّ وافر”. (رواه أبو داود)

ويعد هذا الحديث من أكثر الأحاديث الدالة على فضل العلماء وشرف العلم، وعلى فضل طالب الله ومنزلته عند الله تعالى. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، ويا لها من منزلة عظيمة وفضل سابغ، ومع ذلك فقد رأينا السنوات الخداعات التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بها، وذلك حين قال: “سيأتي على الناسِ سنواتٌ خدَّاعاتٌ، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويكذَّبُ فيها الصادقُ، ويُؤتمنُ فيها الخائنُ، ويخوَّنُ فيها الأمينُ، ويَنطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ، قيل: وما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: الرجلُ التافهُ يتكلمُ في أمرِ العامَّةِ”. وقد خرج علينا البعض ممن يسفهون العلماء ويتصدرون المشهد، ويتقولون على الناس بغير علم.

ومما لا يعيه البعض أن احترام العلماء ومحبتهم هي من محبة الله تعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منَّا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويَرْحَمْ صغيرنا، ويَعْرِفْ لعالمنا حقَّه”. (أخرجه أحمد، وحسنه الألباني)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى: “مَن عَادَى لي وَلِيًّا، فقد آذنته بالحرب”. (رواه البخاري)، وروى الخطيب البغدادي قولاً بهيجًا عن الإمامين أبي حنيفة والشافعي، إذ قالا: “إنْ لم تكن الفقهاءُ أولياءَ الله، فليس لله ولي”. لذا عُد الفقهاء من أولياء الله تعالى، وليس من العيب أن يخطئ العالم مرة أو يذل في هفوة عارضة، ما دامت نيته حسنة ويعلم المسائل التي يتحدث فيه، وقد بذل الجهد المطلوب، يقول ابن القيم رحمه الله: “مَن له عِلْمٌ بالشَّرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قدمٌ صالحة، وآثار حسنة وهو منَ الإسلام بمكان، قد تكون منه الهفْوة والزَّلة، هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهادِه، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين”.