خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

العولمة الثقافية

© Sasinparaksa | Dreamstime.com

تعد العولمة الثقافية اليوم من أخطر المشكلات التي يعاني منها أغلب المجتمعات العربية والإسلامية، وذلك باعتبارها ظاهرة آخذة في النمو السريع، وتمثل زحفًا مستمرًا، فهي تعتمد في أساسها على سرعة الانتشار بشكل يطمس الأمور المعروفة ويغيرها فلا تبقى على حال، وعادةً ما يكون التغيير سلبيًا، فالإنسان ينبهر بكل جديد، ويولع بكل غريب، ومن هنا كان خطر العولمة كبير، بل إنه يتعاظم كل يوم.

والعولمة عامة هي نوع من الانفتاح والتوسع الذي يجعل العالم كله قرية صغيرة، مما يهيئ عملية التبادل في جميع المجالات، وتصبح هناك تأثرات عدة وافدة إلى المجتمع، وهذه التأثيرات ربما لا تتوافق مع تلك البيئة ولا تناسبها، لكنها تجبر على تطبيقها تماشيًا مع العولمة والحداثة، وهذا يولد خطرًا أكثر سوءا، ألا وهو تحول المجتمع إلى شكل هجين يفقد سماته الأصلية فلا يُعرف له ميزة أو عادة أو تقاليد أو أسس دينية مميزة.

وتعد العولمة الثقافية إحدى أشكال العولمة، وهي نوع جديد منها، يقوم في الأساس على التبادل الثقافي، وعلى التأثيرات الثقافية، سواء في مجالات اللغة والعلم، أو في مجالات الثقافة والأدب وكل ما يمس جوهر ثقافة الشعوب، وقد برزت في الآونة الأخيرة فكرة العولمة الثقافية باعتبارها شكلاً من أشكال التبعية المفروضة على المجتمعات العربية والإسلامية، فالغرب ينتج الثقافة، بينما يستهلكها الشرق بكل أريحية دون تدقيق المسائل والأمور والنواحي التي يفترق فيها الشرق عن الغرب.

ففي مجال اللغة مثلاً وجدنا تأثيرًا مبالغًا فيه في استعمال بعض الألفاظ، وهي غير عربية، ضمن إطار تعاملاتنا اليومية دون أن نلقي لها بالاً، ننطق ببعض الكلمات الإنجليزية في التعامل اليومي، ونعتبر ذلك نوعًا من الحداثة والتقدم، في حين أنه نوع من التأثير المخل باللغة العربية وأساسياتها، لأنه يحل الكلمات الأجنبية محل العربية، مما يؤدي إلى ضياع الألفاظ العربية وفقدان اللغة مع مرور الوقت.

تقوم العولمة الثقافية على أساس التأثير في أنماط الحياة، فيصبح الناس مولعين بالتقدم ويحاول الجري وراءه لاكتسابه، وهنا يبدأ العنصر الأقوى في فرض هيمنته من خلال وضع أفكار معينة وبثها، فتخرج إلى العنصر الأضعف ثقافيًا فتصيبه فيأخذها بحملها كما جاءت، دون إدراك ما يؤخذ منها وما يرد، فليس كل جديد متوافق مع البيئة الإسلامية، وليس كل جديد ينفع في كل مكان، لكل أرض خصوصيتها وطبيعتها الثقافية.

تعمل العولمة الثقافية على ضياع الموروث الثقافي للأمم، وعلى إحداث زلزلة في الأوضاع الثقافية، فتنتج حالة من التشتت في المجتمعات، ويصبح الفكر مشوشًا وغير قادر على مواكبة التطور الحادث، وتضيع الهُوية الراسخة، ويصبح المجتمع بلا قيمة حقيقية تذكر، لأن الميل المستمر لكل جديد  والتأثير الحادث يصنعان عنصرًا هجينًا من القيم والأخلاقيات ومن الثقافة الوافدة.

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم من أكثر الأشياء تأثرًا بالعولمة الثقافية، فهي تقلد الآخرين وخاصة الغرب، وتنقل عنه دون وعي وتمحيص، فتحدث بلبلة في الوسط الثقافي وبين ورواد التواصل الاجتماعي، وللأسف الشديد تأخذ تلك الأشكال من خلال الوسيط الذي يبسط الأمر ويقدم شرحًا له، وهذا الوسيط العربي الإسلامي، اعتقد في بادئ الأمر أن ذلك ليس تأثيرًا يسبب ضررًا ثقافيًا، فأخذ يشرح للناس ويقرب المسألة أمامهم، فأخذت الأفكار جانبًا جديدًا من التشويه، سواء تشويه الأصل وما نتج عنه، أو تشويه الوسيط الناقل بغير علم.

إن شبكة الإنترنت تعج بملايين المؤثرات العولمية الثقافية، ونجد صداها في كل ركن هنا وهناك، وكأن العرب والمسلمين لم تكن لهم حضارة مزدهرة علمت العالم ذات يوم وأنارت ظلمات أوروبا في عصر الظلامالعصور الوسطىوعلمت العالم كله معنى الحضارة. لذا وجب علينا أن نتثبت في نقل تلك المؤثرات الثقافية وأن نعي الأمر قبل نقله، وأن نكافح العولمة الثقافية ونتلاشى سلبياتها.