خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

من سمات الغزل العذري

سمات الغزل العذري
ID 53114944 © Daniel Nagy | Dreamstime.com

تعتبر سمات الغزل العذري واحدة من أكثر السمات ظهورًا في الأشعار الوجدانية، فهو فن قلما يجود الزمان بمثله لأنه وجد إثر حالة وجدانية قوية وهادرة، كما أنه التزم الصدق الفني في التعبير عن نفسية الشاعر، إضافة إلى أنه شعر لا يثير الشهوة ولا يغذي الغريزة، بل يركز على المشاعر الطاهرة العفيفة التي تنبت في الروح الإنسانية. وعامة فإن الغزل بوصفه غرضًا شعريًا ينقسم إلى غزل صريح وآخر عفيف، فأما الصريح فإنه يجسد مفاتن المرأة ويبرز محاسنها، أم الغزل العفيف أو العذري فهو فن تنمو في حرارة العواطف والمشاعر الطاهرة، التي يبرزها الشاعر لإظهار عشقه ومكابدته لآلام الفراق والبعد عن المحبوبة، دون أن يتعرض الشاعر إلى مفاتن المحبوبة أو يصفها، ويعد قيس بن الملوّح أشهر شعراء الغزل العذري على الإطلاق.

قبل الولوج أكثر إلى سمات الغزل العذري ، نعود بكم إلى أصل التسمية والتي يقال أنها ترجع إلى قبيلة بني عذرة لكونهم اشتهروا بهذا اللون من الغزل، وبعدها انتقل وشاع إلى القبائل العربية المجاورة، مثل بني عامر وخاصة شاعره قيس بن الملوّح، وكان هذا اللون من الشعر قد نشأ في أول أمره في نهاية العصر الجاهلي، فلما جاء الإسلام وانشغل الناس بالدين الجديد خفت شعر الغزل ولم يلقَ رواجًا، لكنه بلغ ذروته في العصر الأموي نظرًا لانتشار اللهو والثراء وتوفرت للناس بعض الرفاهية.

سمات الغزل العذري

تميز الغزل العُذري بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية التي تميزه عن غيره:

أولاً: هو يختص بمشاعر العفّة والطهارة، ولا يجنح إلى البذاءات أو الوصف الحسي لمفاتن المرأة، إنما يهتم بمشاعر الوصل والفراق وأسباب الوصال، ويركز على الأمور المعنوية في العلاقة الوجدانية بين الحبيبين.

ثانيًا: من سمات الغزل العذري أن قائلوه يعتمدون على إظهار الألم ووصف المكابدة والفراق والتحسر، وكل ما في يثير الشجن والحزن على ضياع الحبيبة.

ثالثًا: ومن سمات الغزل العذري إفراد الغزل لمحبوبة واحدة طيلة العمر، فلا يغير الشاعر محبوبته في غزله قط، ودل ذلك على الصدق العاطفي والوفاء الذي يتميز به هذا اللون من الشعر.

رابعًا: كثرة استخدام أسلوب النداء وفي مناجاتهم لمحبوباتهم، فمثلاً يقول جميل بن معمر: “ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديدُ … ودهرًا تولى يا بثينَ يعـودُ”. يضاف إلى ذلك أن الغزل العذري قد اعتمد على حالة وجدانية جياشة وعواطف صادقة ملتاعة منذ نشأته، تكشف عن مكنون عذابات الشاعر وما يعانيه من صد وفراق وألم، لكن رغم ذلك فإن حبه لا يتزعزع ولا يقف أمام عثرات الزمن، يخاطب الشاعر روحه ويناجي محبوبته.

ويظل الشاعر العذري يعاني مرارة الأرق والسهر ويعبر عن المرارة وخيبة المآلات والمعاناة، والبعد الإجباري عن محبوبته. يقول قيس بن الملوح وهو يناجي ليلى: “أظلُّ رَزِيحَ العقلِ ما أُطْعَمُ الكرى … وللقلبِ مِنّي أنـّةٌ وخُفُـوقُ”.

ومن الشعراء العذريين المشهورين جميل بن معمر، والذي عُرف بجميل بثينة، لقد عشق بثينة، وهام بها، وتقدّم للزواج منها، لكنّه أيضًا لم يحصل عليها. ومن أكثر شعرائه أيضًا، قيس بن الملوح “مجنون ليلى”، فقد نشأ مع ابنة عمه ليلى، فأحبها، وقد كان قرار عمه بزواج ليلى من غيره، ومن ثم أجبرت ليلى من الزواج من غير قيس، فلم يتحمل قيس الصدمة، وظل يقول شعر الغزل في ليلى حتى بعد زواجها. يقول قيس واصفًا الأيام الخوالي وراجيًا التجمع من جديد:

“وأيامَ لا نخشى على اللهو ناهيَا … تذكرت ليلى والسنين الخوالِيَا

فيا ربُّ سَوِّ الحبَّ بيني وبينها … يكون  كفافًا  لا عليّ ولا  لِيَا

ولم يُنْسِنِي ليلى افْتِقَارٌ ولا غِنَى … ولا تَوْبَةٌ حتى احْتَضَنْت السوارِيَا

وقد يَجْمَعُ  الله  الشتـين  بعدما … يظنَّان كلّ الظنّ أنْ لا تلاقِيَا”

لقد حظي الشعر الغزلي العذري على مر العصور بمادة شعرية جذابة، ووجد إقبالاً كبيرًا، وتميز بموسيقاه وإيقاعه المميز، وموضوعاته المتعددة، وعفته وطهارته، مما جعل سمات الغزل العذري تستمر مع تعاقب الأجيال ومرور السنوات.