خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الغيرة التي أدت لأول جريمة قتل في التاريخ

ID 157181149 © Jens Rother | Dreamstime.com

تظهر لنا قصة قابيل وهابيل أن الغيرة، كانت سببًا مباشرًا لوقوع جريمة القتل الأولى في تاريخ جنسنا البشري، لذا فهي أمر من الأمور الواجب التوقف أمامها، فهي ليس شيئًا فرعيًا، لأنها جرّت بدورها بعد ذلك الحسد وملأت القلب غلاً فلم يشعر الأخ بشيء إلا وهو يقتل أخاه.

وقد ذكر الله لنا تلك الأحداث في قصة قابيل وهابيل في القرآن الكريم، حيث وردت في موضع واحد، حيث قال سبحانه: “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ” (سورة المائدة: 27-31). ونحاول هنا التوقف على أحداث تلك القصة موضحين دور الغيرة التي أدت لتلك الجريمة، وجعلتها ميراثًا للبشرية بعد ذلك.

تدور القصة حول تغلغل شعور الغيرة في نفس قابيل على أخيه هابيل، فقد كان كلٌّ منهما يقد م صدقة ويفعل العمل الصلح قربانًا لله تعالى، ولما كان الله هو المقصود بتلك الصدقة وهذا العمل، فإنه سبحانه رضي عمل هابيل وقبله لإخلاصه في ذلك، في حين أنه لم يتقبل صدقة قابيل، لما يعلمه الله من سريرته وعدم إخلاص النية، فحدثت الغيرة بذلك ووقع شيء من الحسد في نفس قابيل، إذ كيف يقبل الله عمل أخية ولا يقبل عمله. فما كان من قابيل إلا أن قال حسدًا وغيرة من قبول صدقة أخيه: “لأقتلنك”، فجاء ردّ هابيل له مقنعًا لأنه أراد توضيح سبب القبول من عدمه: “إنما يتقبل الله من المتقين”، وحاول نصحه وإرشاده ودله على سبب قبول الأعمال حتى يلجأ إلى ذلك أيضًا.

وحاول هابيل نصح أخيه بكل السبل لرده عما يفكر فيه، وأن يطهر قلبه من الحسد والغل، وأن العلاقة بينهما تقوم على الأخوة والتسامح، فقال له: “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين”، فأخبره بذلك أنه لن يتمادى معه في هذا الطريق أبدًا، حتى لو أصبح مقتولاً فلن يواجه أخاه بالقتل أيضًا لأنه يخاف الله تعالى.

لم يترك هابيل فرصة لأخيه إلا استغلها في تقديم الوعظ والإرشاد، ولما لم يجد بدًّا في ذلك، أخذ يثنيه بالتهديد والوعيد لإعادته إلى جادة الصواب وعدم تركه يرتكب تلك الفعلة الشنعاء، فقال: “إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين”. لكن كل ذلك لم يؤثر في قابيل على الإطلاق، ولم تظهر عليه بوادر استجابة، فغلبه هواه وارتكب تلك الجريمة النكراء بأخيه المستسلم الذي لا يريد أن يقابل الاعتداء بمثله. فكان هذا القتل ظلمًا لنفس هابيل وقابيل معًا، الأول قتل ظُلمًا والثاني ظلم نفسه بالقتل.

ولم يكترث الأخ لجثة أخيه، ولم يدفنه بما يليق به، بل تركه في العراء ممددًا عرضة للوحوش والسباع، لكن الله بلطفه وحكمته أرسل مخلوقًا يعلم قابيل ويعطيه درسًا قاسيًا، إذ بعث غرابًا ليحفر حفرة لدفن هابيل، وهنا تحركت مشاعر قابيل وأحس بجرمه ولام نفسه على القتل وعلى عدم اهتدائه إلى دفنه مثلما فعل الغراب، فأبدى الندم ولكن بعد أن أزهق نفسًا بغير حق.

يمكن لمشاعر الحسد والغيرة أن تفعل أكثر من ذلك إذا تمكنت من النفس.