خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الفرق بين الجنون والحمق

paul-gilmore-8kDOOrs608I-unsplash
Paul Gilmore-Unsplash

قد يسأل البعض: هل هناك فارق جوهري بين الجنون والحمق؟ إذ يظن الكثيرون أن الاثنين يمتازان بذهاب العقل، ومن غدا مجنونًا فقد أصبح أحمق، ولكن ذلك غير صحيح بالمرة. وهنا نحاول تناول الفارق بينهما، مع ذكر قصة عن ذلك وبعض الأقوال المأثورة حول الأمرين.

يتضمن معنى الجنون الخلل في ما يدركه الإنسان سواء في الوسيلة أو المقصد الذي يسعى إليه، أما الحمق فيعني خطأ في الوسيلة التي يسلكها الإنسان وإن كان قصده صحيحًا، فهو يقصد شيئًا صحيحًا في سعيه ولكنه يغفل الوسيلة المعينة في الوصول إلى ما يرجو، ومن هنا كان طريقه فاسدًا، ووصوله إلى غرضه غير صائب. أما المجنون فهو يشير إلى الشيء الفاسد ولا يدرك المقصد، فهو يختار ما لا يختار. ومن ذلك أن أبا بكر المكارم قال: “إنما سميت البقلة الحمقاء، لأنها تنبت في سبيل الماء وطريق الإبل، قال ابن الأعرابي: وبها سمي الرجل أحمق لأنه لا يميز كلامه من رعونته“. أي لا يدقق في كلامه، وإن كان يرمي لمقصد معين يبغيه.

ويقال في الجنون أنه أمر عارض ظهر نتيجة ظروف معينة وأحوال متضاربة، أما الحمق فهو غريزة تلازم الشخص، وعن أبي إسحاق أنه قال: “إذا بلغك أن غنيًا افتقر فصدق، وإذ بلغك أن فقيرًا استغنى فصدق، وإذا بلغك أن حيًا مات فصدق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق“. والمراد من هذا القول أن الغنى والفقر والموت من الأمور التي تحدث ولا مناص في حدوثها، أم الحمق فلا لا يكتسب عقلاً مع مرور الوقت، بما يدل على أنه غريزة متأصلة.

وهناك قول طريف في ذلك لأبي يوسف القاضي حيث يقول: “ثلاث، صدق باثنتين ولا تصدق بواحدة، إن قيل لك إن رجلاً كان معك فتوارى خلف حائط فمات فصدق، وإن قيل لك إن رجلاً فقيرًا خرج إلى بلد فاستفاد مالاً فصدق، وإن قيل لك إن أحمق خرج إلى بلد فاستفاد عقلاً فلا تصدق“.

ومما روي عن الأوزاعي في هذا الباب، إنه قال: “بلغني أنه قيل لعيسى ابن مريم عليه السلام: يا روح الله إنك تحيي الموتى؟ قال: نعم بإذن الله. قيل وتُبرئ الأكمة؟ قال: نعم بإذن الله. قيل: فما دواء الحمق؟ قال: هذا الذي أعياني“. أي لا دواء ينفع معه، ولذا قيل إن الحمق أشد وطأة على المرء من الجنون وسائر الأمراض. وقال جعفر بن محمد: “الأدب عند الأحمق كالماء في أصول الحنظل، كلما ازداد ريًا زاد مرارة“. وعلى ذلك فالحمق أكثر شرًّا من الرعونة ومن الجنون.

ولنقف أمام تلك القصة التي يرويها لنا المأمون إذ يقول: “تدرون ما جرى بيني وبين أمير المؤمنين هارون الرشيد؟ كان لي إليه ذنب فدخلت مُسلِمًا عليه، فقال: أغرب يا أحمق، فانصرفت مغضبًا ولم أدخل إليه أيامًا فكتب إليّ رقعة يقول، (من بحر الخفيف):

ليت شعري وقد تمادى بك الهجر      أمنك التفريط أم كان مني

إن تكن خنتنا فعنك عفا الله           وإن كنت خنتكم فاعف عني

فسرت إليه، فقال: إن كان الذنب لنا فقد استغفرناكَ، وإن كان لك فقد غفرناه. فقلت له: قلت له يا أحمق ولو قلت لي يا أرعن كان أسهل عليَّ. فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت له: الرعونة تتولد عن النساء فتلحق الرجل من طول صحبتهن، فإذا فارقهن، وصاحب فحول الرجال زالت عنه، وأما الحمق فإنه غريزة“. وأنشد بعض الحكماء:

وعلاج الأبدان أيسر خطبًا     حين تعتل من علاج العقول

ويظهر لنا إذن أن الحمق فساد في العقل أو الذهن، وهو أشد خطرًا من لوثة الجنون، لأن الجنون قد تأتي في مرحلة معينة، أما الحمق فإنه غريزة ويصعب التحكم فيها، ومن هنا كان حزن المأمون من أبيه حين وصفه بتلك الصفة، وفضل على ذلك صفة الرعونة.