خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

القاضي إبراهيم بن أحمد بن هلال

ID 102220982 © ali sulima | Dreamstime.com

هو رجل قلما يجود الزمان بمثله علمًا وأدبًا وإحسانًا، كان من أمراء حلب، ولد في دمشق سنة 608 هـ، وتوفي بها في الجمعة سنة 741 هـ، قال عنه صلاح الدين الصفدي: “لم يحصد الموت من زرعٍ له نظيرًا، ولا اجتلى الناس من حوران مثله قمرًا منيرًا، أتقن الفروع، وبهر فيها من الشروع، وجوّد أصول الفقه وشغل فيها الناس، وأوضح لهم فيه ما حصل من الإلباس، وبرع في النحو وظهر، ومارس غوامضه ومهر، وقرأ الفرائض، وأتى فيها وحده بما لم يأتِ به ألف رجل، اشتغل في الحساب، وغني بذهنه الوقاد عن الاكتساب، وكتب المنسوب الفائق، وسلك فيه أحسن الطرائق، وكان الناس يأتون إليه بالمجلدات ليكتب عليها أسماءها، ويُزينَ بكواكب حروفه سماءها، رغبةً في حسنِ خطه ليقوم مقامَ الفواتح المذهبة، والأعمال التي هي لأهل الصنائع متعبة” (أعيان العصر).

وكلام الصفدي السابق أكبر دليل على مكانته الرفيعة وعلمه الكثير وشخصيته الرائدة في عصره، ويضيف له الصفدي خصالاً حميدة أخرى، فيقول: “ولقد كان قادرًا على حكاية الخطوط المنسوبة، والطرائق التي هي عند أرباب هذا الفن محسوبة … والمكاتيبُ الشرعية إلى الآن تشهد له بحسن العلائم”. أي أنه كان يقوم بقليد الخطوط وطرق كتابة الأحرف، وغير ذلك من فنون الكتابة التي تضاف إلى سماته الفاضلة.

وكان حسن الشكل يضع عمامة على رأسه، وافر العقل عالي الهمة، ندب في أيام الصاحب شمس الدين للنظر في بيت المال، فكان بصيرًا بالفتوى، جيد الأحكام لا يقع منها على شيء محرم، يتوقد ذهنه من الذكاء والفطنة، ويدرك الغوامض التي مضى الأوائل وفي قلوبهم منها لبس أو زيغ، وكان يميل إلى اتخاذ بعض ملك اليمين من الأتراك، فتعلم اللغة التركية من منهن، فكانت له براعة فيها ولا يجاريه أحد في ذلك، هذا مع براعة في عبارته، وفصاحة في كلامه، وبلاغة في إشارته.

تعلم على يد العلامة كمال الدين بن الزملكاني، قاضي القضاة، وجلال الدين القزويني لما كان خطيبًا، وأخذ الأصول عنهما. ومما روي عنه أنه كان يحضر دروس العلامة ابن تيمية كثيرًا، ويأخذ من فوائده ما شاء الله، يجلس منصتًا لا يتكلف لبحث ولا يتكلم، ويرى أنه يتعلقُ بأهدافه ويتعلم، إلى أن قضى نحبه وسكن تُربه، ولقي ربه، رحمه الله تعالى. ودل ذلك على أدبه في طلب العلم من شيوخه ومربيه، فلا يتقدم عليهم، ولا يتحدث في حضورهم.

وما ذكر عنه أنه كان قد درّس في الوقف الجديد الذي أوقفه الأمير سيف الدين بكتمر والي الولاة بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية، وكان درسًا حافلاً حضره الأعيان في 15 من شوال من سنة 719 هـ، ودرس بالحنبليّة داخل باب الفراديس في 10 من ذي القعدة سنة 726 هـ، وحضره القضاة والفضلاء، وأولي نيابة الحكم في مستهل جُمادى الأولى من سنة 727 هـ، وأعاد ذلك في المدرسة الصدرية وبالجوزية والمسمارية.

ومن خلال تلك الرحلة العلمية لإبراهيم بن أحمد بن هلال، نستطيع أن نقول إنه كان من المجتهدين في طلب العلم، ولم يكن يتوقف عند مرحلة بعينها، بل إنه ظل يطلب العلم ويسعى في الوصول إلى تحصيله على الدوام. كما أنه لما جاءته الفرصة لكي يدرس فإنه اختار أماكن سامقة ومدارس باهرة لكي ينقل ما تعلمه إليها، بجانب عمله بالقضاء، وكل ذلك إنما زاد من شخصيته وأعطاه ثقلاً علميًا، وجعله من أهل الفتوى في عصره.

إن الأشخاص الذين يتخذون من العلم سبيلاً لهم، فإن العلم يكرس أسماءهم ويخلد ذكرهم، ويرفعهم إلى مكانة لم يكن يحلموا بها، وإن من يقفون عاجزين لا يفعلون شيئًا يضيعون في طي الأيام دون ذكر أو برهان.