خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

القبول في السماء للأتقياء وليس للأقوياء

ID 183797633 © Ruslee Yaena | Dreamstime.com

في الحياة الدنيا يتصارع الناس ويتدافعون، وعادةً ما يغلب القويّ الضعيف، ويجد الضعيف نفسه في أحيان كثيرة في مهب الريح، لا يجد من ينصره ولا يأخذ حقه ممن ظلمه، ذلك أن الحياة الدنيا دار اختبار ومحنة، وهي أرض نزرعها ونجني ثمرها في الآخرة، ولذلك قيل عنها إنها دار ممر وليس دار مقر، نعيش فيها لا لنغدو أقوياء ولكن لنكون أتقياء، ونقدم العمل ونرجو الثواب من الله.

كثيرون من الناس اليوم لا يعون أن القبول في السماء للأتقياء وليس للأقوياء، وأن تقديم الأقوياء على الأتقياء في الحياة الدنيا، هو شيء منافٍ لما شرعه الله، فقد خلقنا الله لعبادته وجعل غايتنا في الحياة الدنيا أن نكون من المتقين، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. (الحجرات: 13) وقد ألغى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم الفوارق بين البشر، ولم يفرق بين الناس على أساس العرق أو الجنس أو لون البشرة، بل اعتبر التقوى هي المعيار الحقيقي للعبد، وفيها تكمن قيمة التفاضل بين الناس، إذ قال: “يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ”. (غاية المرام، الألباني، 313)

ماذا تفيد القوة إن كانت في غير الحق، إنها تضر ولا تنفع، تعيق ولا تشفع، تكبل الإنسان بالذنب، فكل خطوة تخطوها تكون عليك وليست لك، أما التقي فإنه ينعم بنور الله ويستضيء بهديه، يرى الناس جميعًا في نظره سواء، قويهم يماثل ضعيفهم، بل إنه يرى الضعيف أحسن وأحب إليه من القوي المتجبر، لأنه لم يرتكب أثمًا مثل غيره من الأقوياء. هل يمكن أن توصلك القوة الجمسانية والكثرة العددية والثروة المادية لشيء إذا لم تكن في طاعة الله ورضوانه، كلا، لن تصل لشيء مطلقًا، فالسباق ليس دنيويًا كما تظن إنه أخروي مؤجل إلى حين، لقد أعطاك الله تلك المقومات ليختبر قوتك الحقيقية: وهي التقوى، ليرى أين يكون عملك بما استفدت من قوتك، هل ضيعت قوتك وأهلكتها فيما يرضي الله تعالى، أم ضيعتك وأودت بك إلى ظلام دامس.

إن مناط التفضيل في السماء هو العمل الصالح والتقوى، وما أن هناك بعض التفاوت في الحياة الدنيا مثل الرزق، والقوة والعافية، وغير ذلك، لكنه تفاوت بغرض الاختبار، يروى أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: “يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا”. (البخاري ومسلم)

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا أن يعلم أصحابه دائمًا أن الأساس والمعيار هو التقوى، وليس شيئًا غيرها لكي يتفاضل به الناس، ومهما كثرت التفاوتات فإنهم لآدم وآدم من تراب، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتهز الفرص لكي يعلم الصحابة رضوان الله عليهم تلك المسألة، ثم يعيد الأمر عليهم ويكرره أكثر من مرة، وذلك لعظمه وخطره وأهميته، يروى أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم ومر عليهم رجل فقال لهم: “ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا”. (صحيح البخاري)

إن هذا المثل الذي ضربه صلى الله عليه وسلم لأصحابه، يبين بجلاء أن القبول في السماء للأتقياء وليس للأقوياء.