خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

القرض الحسن: أهميته، والأحكام المتعلقة به، ولماذا حض الإسلام عليه؟

larm-rmah-AEaTUnvneik-unsplash
Photo by Larm Rmah on Unsplash

يعد القرض الحسن من أفعال الخير التي جاء بها الإسلام وحض عليها من خلال آيات القرآن العظيم وأحاديث النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- وإنما جاء هذا الاهتمام بالقرض الحسن في الإسلام لأهميته الكبيرة ودوره العظيم.

فما هو القرض الحسن؟

إنه من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وهو المال الذي يدفعه الإنسان لغيره دون أن يأخذ منه فائدة أو مقابلًا ودون أن يتربح منه بأي شكل من الأشكال، وإنما ميز الإسلام القرض الحسن عن غيره من القروض لأن القرض الحسن يكون خالصًا لوجه الله تعالى لا يسعى المقُرِض من خلاله تحقيق أي مصلحة دنيوية إنما يكون هدفه الأول رضا الله سبحانه وتعالى وتحصيل الثواب الأخروي.

منطقيًا فإن مصطلح القرض الحسن توحي بأن هناك أنواعًا من القروض ليست حسنة، فهناك القروض الربوية التي تجر نفعًا والتي جاء الإسلام بتحريمها تحريمًا قاطعًا لما لها من مضار كبيرة على الفرد والمجتمع ولما فيها من إجحاف واستغلال لحاجات الفقراء والمحتاجين.

ويفهم مما سبق أن القرض الحسن هو المال الذي يعطيه الإنسان لمن ينتفع به مع رد بدله وقد يكون ذلك في موعد معين وقد يكون بغير موعد، وفي كل الأحوال فإن المال دين في ذمة المقرض له، إلا أن يتنازل المقرِض عنه.

إن الصورة الشرعية التي تناولها الفقهاء فيما يتعلق بالقرض الحسن تأتي على صورة السلف وقد تناول فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم أحكام القرض الحسن وأكدوا على أنه من أفضل القربات إلى الله تعالى بشرط الالتزام بشروطه.

شروط القرض الحسن

يشترط للقرض الحسن أن يكون خاليًا من المنفعة بأي صورة من الصور وقد جاء في الأثر “أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا” وهذا الأثر بمثابة القاعد الفقهية، فإذا كان هدف المقرض جلب منفعة له فإن قرضه لا يدخل ضمن دائرة القرض الحسن بل هو أقرب للقروض الربوية التي جاء الإسلام بتحريم صورها كافة، قال تعالى:

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة:175).

غير أنه من الضروري الإشارة إلى أن المنفعة التي عناها العلماء تلك المنفعة المشروطة وهي التي يشترطها المقرض على المقرض له، كأن يعطيه قرضًا ثم يطلب منه زيادة أو منفعة أخرى، فعندها لا يكون القرض قرضًا حسنًا، أما إذا لم يشترط المقرض شيئًا وحل موعد السداد وقام المقرض له بالزيادة على القرض من باب الهدية ورد الجميل فهذا مما لا بأس به كما ذكر الفقهاء، غاية الأمر ألا يشترط المقرض تحصيل أي منفعة ولو كانت يسيرة.

أهميته والفائدة العائدة من ورائه

من الحقائق الثابتة أن الناس متفاوتون في امتلاكهم للمال فهناك الغني وهناك الفقير، وهناك صاحب الكفاية وهناك المحتاج، وقد جاء الإسلام لينظم حياة الأفراد والمجتمعات على أساس قويم ومنهج سليم، والإسلام ينظر إلى الناس جميعًا على أنهم سواسية لا فرق لأحد على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، ومن هذا المنطلق فإنه قد دعا للتعاون بين أفراد المجتمع على البر والتقوى لا الإثم والعدوان، ولعل حضه على القرض الحسن من الأمور التي تؤكد هذا المعنى.

ومن المعلوم أن الإنسان مدني بطبعه لا يستغني عن أخيه الإنسان، ولأن الناس لا يستغني بعضهم عن بعض ولا يستغنون عن المداينة والسلف فإن القرض الحسن يأتي كصورة شرعية في هذا الباب من أجل التخفيف من أعباء أفراد المجتمع وإشعارهم أن إخوانهم يقفون معهم ويهتمون بأمورهم.

ويمكن القول إن القرض الحسن له أهمية كبيرة وفوائد عظيمة على النحو التالي

  • -أن القرض الحسن باب عظيم من أبواب التعاون على الخير والبر والتقوى لا الإثم والعدوان، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالتأكيد على هذا الأصل العظيم الذي يعد من قواعد الإسلام العظيمة.
  • – صورة عظيمة من صور مساعدة المحتاجين وذوي الفاقة وهم فئة مهمة من فئات المجتمع لا بد أن ينظر إليها الأغنياء ويهتموا بها الاهتمام اللائق.
  • – من صور نشر المحبة في المجتمع ذلك أن الأغنياء إذا ساعدوا الفقراء وأقرضوهم قرضًا حسنًا فإن ذلك باب عظيم لنشر المحبة والألفة بين الناس، وإلا لو امتنع الناس عن إقراض بعضهم بعضًا فإن ذلك سبيل خطير لانتشار البغضاء والحسد والحقد بينهم.
  • – تأتي أهمية القرض الحسن في أنه تجسيد واقعي لمبدأ الأخوة الإيمانية التي جاءت آيات القر آن الكريم والأحاديث النبوية بالتأكيد عليها.

دعوة الإسلام إلى القرض الحسن

جاءت دعوة الإسلام إلى القرض الحسن دعوة صريحة تلفت نظر المكلفين إلى أنه من أفضل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، وقد دل على استحباب القرض الحسن القرآن والسنة والإجماع والمعقول.

فمن آيات القرآن الكريم التي جاءت بالدعوة إلى القرض الحسن قوله تعالى:

{ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة:245).

وهذه الآية تحض المسلم على أن يبادر إلى القرض الحسن، وقد صور الله سبحانه وتعالى أن القرض يكون له مع أنه عز وجل غني عن الناس، لكن جاءت الآية على هذا النحو لتشجيع المحسنين على اغتنام هذا الباب العظيم من أبواب الخيرات، وتؤكد الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى يضاعف القرض الحسن ليس ضعفًا واحدًا أو ضعفين أو ثلاثة، بل يضاعفه أضعافًا كثيرة، ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الناس وهو رازقهم لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وخزائنه لا تنفد، ولم يعين الله سبحانه وتعالى عدد الأضعاف التي تترتب على القرض الحسن للدلالة على كثرتها الكبيرة وهذا إن دل فإنما يدل على فضل الله تعالى وواسع كرمه.

ما بعد نزول الآية

ومن المواقف الإيمانية التي حدثت بعد نزول الآية السابقة والتي تؤكد مسارعة الصحابة رضي الله عنهم لفعل الخيرات ما كان من الصحابي الجليل أبي الدحداح –رضي الله عنه- وقد سأل النبيَ –صلى الله عليه وسلم- هل يريد الله منا القرض؟ فأجابه النبي: نعم، أي أن الله تعالى يطلب المسلم أن يقرض الفقراء والمحتاجين، لأنه إن فعل ذلك فكأنه أقرض الله سبحانه وتعالى وهذا تحفيز كبير لفعل الخيرات، فما كان من أبي الدحداح إلى أن قال يا رسول الله إني أقرضت حائطي (أي بستاني) لله تعالى، فكان موقفه من المواقف الإيمانية الخالدة التي تؤكد فضل الصحابة وحبهم فعل الخير ومسارعتهم فيه.

ومن الآيات التي جاءت للحض على القرض الحسن كذلك قوله تعالى:

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا  وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المزمل:20)

وقد جمع الله سبحانه وتعالى القرض الحسن بأعظم العبادات على الإطلاق وهي الصلاة فالزكاة، وأكدت الآية أن الإنسان إذا أقرض غيره قرضًا حسنًا فإنه يقدم لنفسه خيرًا عند ربه سبحانه وتعالى، ومن فعل خيرًا فإنه حتمًا لن يضيع لأن الله سبحانه وتعالى كريم يضاعف الأجر حتى يكون أضعافًا كثيرة، لأن خزائنه لا تنفد، والآية فيها إعلام صريح أن الإنسان قد يقرض غيره قرضًا حسنًا ولو كان يسيرًا إلا أنه يجد أثره وثوابه عند الله تعالى وذلك في الدنيا والآخرة.

النبي صلى الله عليه وسلم وتفريج الكرب

وكما أكدت آيات القرآن الكريم على فضل القرض الحسن فإن أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- قد جاءت لتؤكد هذا المعنى العظيم حيث يقول –صلى الله عليه وسلم-:

“المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُه، مَنْ كانَ في حاجةِ أخيهِ كانَ اللهُ في حاجتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عن مُسلم كُرْبَة فَرَّجَ اللهُ عنهُ بهَا كُرْبة مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسلِما سَتَرَهُ اللهُ يومَ القيامةِ” (أخرجه البخاري في صحيحه)

وقد صدّر النبي –صلى الله عليه وسلم- كلامه بالتأكيد على قاعدة الأخوة الإيمانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض، والإسلام يولي هذه الأخوة أهمية كبيرة فهي مقدمة على أخوة النسب عند التعارض، ثم يؤكد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن المسلم إذا ساعد أخاه وكان في حاجته فإن الله سبحانه وتعالى يساعده ويكون في حاجته ويتولى أمره، ويمضي الحديث فيؤكد على أن تفريج المسلم لكرب أخيه وفك ضيقه كفيل بأن يفرج الله كربه يوم القيامة، وهذا من أعظم أنواع الجزاء على الإطلاق، وهنا مقابلة عظيمة، فمع أن الإنسان قد يفرج كرب أخاه بأن يقدم له قرضًا حسنًا يسيرًا في الدنيا، إلا أن سبحانه وتعالى أكد أن هذا التفريج للكربة الدنيوية قد يكون سببًا من أسباب تفريج الكربة الأخروية ولا شك أن الثانية أعظم من الأولى.

ومن الأحاديث التي تؤكد فضل القرض الحسن كذلك ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

“رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ. فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ” (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط).

وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن القرض الحسن قد يكون أفضل من الصدقة، بشرط أن يجدد الإنسان نيته وأن يجعل هذا القرض خالصًا لأجل الله تعالى لا يهدف لمصلحة دنيوية من ورائه.

خلاصة القول

إن كل ما سبق يؤكد الأهمية الكبيرة التي أولاها الإسلام للقرض الحسن وقد ظهر ذلك من خلال توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذا دافع قوي للأغنياء والموسرين أن ينظروا إلى الفقراء والمحتاجين وأهل الفاقة وأن يقرضوهم قروضًا حسنًا من أجل التخفيف من معاناتهم وفك كربهم ومد يد العون لهم.

إن المجتمع الذي يُفعّل القرض الحسن بين أفراده مجتمع متوازن يسود فيه المحبة والألفة والتعاون على البر والتقوى، ومن المعلوم أن هناك كثيرًا من الناس يحتاجون إلى من يقدم لهم يد المساعدة، ولا يشترط أن تكون المساعدة من باب الصدقة، بل ربما تكون من باب القرض الحسن وتكون بهذا قد حققت هدفها.

وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن المسلم قد يقرض غيره قرضًا حسنًا ويحل موعد السداد، فيعجز عن السداد، وعندها لا يجوز للمقرض أن يطلب زيادة على القرض، لأن هذا سيكون من الربا المحرم الذي جاء الإسلام بتحريمه إلى يوم القيامة، وحري بالمقرض أن يصبر على من أقرضهم إذا عجزوا عن السداد، وليجعل هذا الأمر خالصًا لوجه الله، فربما يكون هذا الأمر من أسباب نجاته في الدنيا والآخرة وقد دلت أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- على هذا الأمر.

وختامًا يمكن القول إن القرض الحسن من الأمور التي جاء الإنسان بتقريرها ودعوة المسلمين إليها لما له من أهمية وفوائد كبيرة في المجتمع، فعلى المسلمين أن يغتنموا الثواب العظيم الذي أعده الله على القرض الحسن.

المراجع:

  • فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: النووي.
  • تفسير القرآن العظيم: ابن كثير.