المرأة بين قوة الأمومة وضعف الشخصية

مرأة 30 Shaban 1442 AH محمود أبوقُورة
قوة الأمومة
© Hongqi Zhang (aka Michael Zhang) | Dreamstime.com

هناك ادعاء يقول: إن قوة الأمومة لدى المرأة يسبب لها ضعفًا في شخصيتها يظهر في مناحي حياتها الأخرى. فهل هذا صحيح أم لا؟ لا شك أن قوة الأمومة لدى المرأة أقوى من أي رابطة أخرى. فلا عاطفة أخرى تقارن بها. لأن المرأة بطبيعتها قد فُطِرتْ على ذلك، إنها تَعشق طفلها وهو لا يزال يتكون في بطنها، ويزداد حبها له إذا وضعته جنينًا صغيرًا يشبه قطعة اللحم الصغيرة.

وتلاحظه وهو يشبُّ أمامها يومًا وراء آخر، وتخاف عليه من النسمة العابرة. ومن هنا يمكن القول إن تلك العاطفة القوية تُعطي للأمومة قوةً ومتانةً. ولكن هل معنى ذلك أنها ضعيفة الشخصية؟ على العكس من ذلك فهذا العاطفة تدل على اتزان الشخصية وتماسكها، وأنها تقدم كل ما تملك من أجل أبنائها. وكان يمكن القول بهذا إذا ما كانت المرأة تهرب من مسؤوليتها ومن عاطفتها ومن مكتسباتها الطبيعية التي وهباها الله إياها.

الأصل في قوة الأمومة

إن قوة الأمومة ليست دافعًا من أجل ضعف الشخصية، إنما هي قوة في النفس وطبيعة فطرية، لا يمكن للمرأة مكافحتها وتحويلها إلى عاطفة مضادة أو مشاعر أخرى متناقضة. ولذا لا يمكن إلقاء مسؤولية ضعف الشخصية النسائية على هذا الباب، لأن ذلك قد يجعل بعض السيدات تركنّ إلى أن تكنَّ خشنات في تعاملهن مع الأسرة أو الجيران أو مجموعة العمل. وذلك لكي يقال عنهن إنهن قويات الشخصية ومسيطرات على حياتهن.

لذا تجد أن لديهن صفات ثابتة مثل: علو الصوت لأتفه الأسباب، الصراخ وافتعال الأزمات، المبادرة بالحديث وتوجيه الكلام بصيغة آمرة. التحديق والنظر بطريقة ملفتة للآخرين، كثرة التعليقات والملاحظات على مَن حولها. وهذا لا يدل في ذاته على قوة شخصية حقيقية، بل على شخصية مصطنعة وزائفة. حيث تدعي القوة وتحاول إخفاء الضعف، ولذا تقوم بما يجعلها تبدو قوية الشخصية ومتزنة أمام الناس.

تتميز المرأة صاحبة الشخصية القوية بمجموعة من الصفات المهمة، مثل: الاحتواء ولين الكلام، والتحدث في الوقت المناسب. والصمت والإصغاء لفهم الآخر والاستماع إليه برويّة وتقبل الأعذار وحسن الظن بالآخرين، عدم رفع الصوت وفرض شخصيتها على الموقف، ومعاملة من حولها برفق ومودة وتقدير مشاعرهم، والتواصل الفعال مع بيئة العمل، والتفرقة بين الحياة الزوجية وبين الحياة الاجتماعية، وتستطيع حل المشكلات وإقناع مَن حولها بآرائها في كثير من المسائل. وهي بذلك تتمتع بصفات جيدة تجعلها محل تقدير الجميع ممن حولها.

انتفاء الصلة بين ضعف الشخصية وقوة الأمومة

إن ضعف الشخصية لا علاقة له بقوة الأمومة أو نقصها، إنه سمة شخصية قابلة للتمايز بين الناس عامةً، فقد تجد امرأة قوية الشخصية وقوية في أمومتها وحنانها في الوقت ذاته. وقد تجد امرأة ليست قوية لا في حنانها ولا في شخصيتها، وقد تكون المرأة قوية من صفة منهما دون الأخرى. وهذا يدلنا على أن المرأة تظل دائمًا بين هذين الأمرين: (قوة الأمومة) و(ضعف الشخصية).

وهذا اختيار غير جيد، لأنه لا مانع من أن تجمع المرأة بينهما. لعل تلك الفِريَة قد ظهرت نتيجة الافتراءات الغربية التي حاكوها ضد المرأة العربية المسلمة، لكي يخرجوها من أمومتها وتفانيها في رعاية بيتها وأسرتها، فتصبح نسخة من المرأة الغربية التي لا يمكنها تكوين أسرة إلا بعد أن تبدأ بالذبول، فإذا ما أنجبت وكبر الأبناء تركوها تحيا وحيدة بدعوى الحرية والاعتماد على الذات (مبدأ الاستقلالية الذاتية)، حتى إذا احتاجتهم في أصعب لحظاتها لم تجدهم.

إن المرأة يمكنها الجمع بين قوة الشخصية وقوة الأمومة، كما يمكنها دومًا الجمع بين عدد كبير من الصفات والتفوق فيها على قريناتها أو على الرجال أنفسهم. فتلك الأمور تعد من الصفات التي يمكن التفاضل فيها، ويمكن تحصيلها بالخبرة والتعلم. ولذا فإن المرأة ضعيفة الشخصية يمكنها أن تقوي من شخصيتها من خلال فهم ما ينقصها. ومعالجة الأخطاء التي تجعلها تبدو بتلك الصورة، فالأمر لا يحتاج إلا للصدق مع النفس، والوقوف على الأخطاء، ومعالجتها بالشكل الأمثل.

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي