خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

رحمة أحمد تكتب: ماركة غير عالمية!

المرأة
Illustration 63441353 © - Dreamstime.com

مع انتشار الثقافة الاستهلاكية بالنسبة لـ المرأة ، حيثُ يُقاس كلّ شيء -وكلّ إنجازٍ- بقيمته الماديّة، ليس من الغريب أن يصير للإنسان قيمةً (ًتنخفض وترتفع) باعتبار جسده!

في أيّ موقع تواصل، وفي أيّ قناةٍ تلفزيونيّة، وفي أيّ إعلان ترويجي، بل حتى على أغلفة الأطعمة والمنتجات – يجد أحدنا صورًا للنساء، في كلّ مكان، نساء ونساء ونساء والكثير من النّساء ثقيلاتِ الزّينة خفيفات الملابس، ستجد نساءً في إعلانات السيّارات والأدوات الرياضيّة وأيضًا الملابس والعطور الرّجاليّة!

المرأة والاستهلاك

يمُرّ على المرْء عشرات الإعلانات في أقلّ من نصف ساعة، إعلانات يُظهرون المرأة -فيها- كشيء مُتجرِّد من العاطفة والعقل، مجرّد شيء جاذِب، مثل مُكَسِّبات اللّون والطّعم التي يتمّ إضافتها للطعام.

علامَ يعتمد الإنسان فيه تعاملاته مع الآخرين ومع العالم؟ على وعْيه. وما الذي يصنعُ هذا الوعي؟ أفكاره. وكثير مِن أفكار المرء هي نِتاج ما يتعرَّض له يوميًّا، فكيف يكون وعْي شخصٍ يتعرَّض لهذا المشاهد يوميًّا مئات المرّات، مئات المشاهد التي تستخدم المرأة كمادّة جذْب لا تختلف عن أيّ سلعة؟

هل يتوقّف دور الثقافة الإعلانيّة عند هذا الحدّ -أعني حدّ عرْض أولئك النّساء فقط-؟ لا. بل يُساهم في رفْع معايير الرّجال والنّساء -على حدًّ سواء-. يقلّب الرّجل عينيه بحْثًا عن فتاةٍ شعرها مثل صاحبة إعلان كذا، وجسدها يُشبه تلك الممثّلة، ولونها مثل فلانة المشهورة  وغيرها.

ثقافة الجسد

بينما تركُض النّساء على أجسادهنّ طوال الوقت، كيف تكتسبُ/تفقد بعض الوزن، كيف تغيّر هذا وذاك، كيف تُخفي/تُظهِر كذا وكذا، كيف تعدّل هذا وهذا، وتمتلئ عيادات التجميل والجلديّة بالنّساء اللواتي يَبْحَثْن عن الجمال باعتباره صورةً واحدةً موحّدةً ذات معاييرٍ حدّدتها وسائل الإعلام، دون اعتبارٍ لجمالهنّ الخاصّ الذي يتفرّدن به ولا تستطيع وسائل الإعلام الإحاطة به.

هل يعني كلامي أن تتوقّف النّساء عن التجمُّل؟ لا. بل هذا مما يُنْدَب لهنّ، غير ألّا يصِرْن مهووساتٍ به، ألّا يغفَلْن عن تجميل قلوبهنَّ وهُنّ يسْعَيْن إلى تجميل وجوهِهنّ، ولا يُنسيهنّ حِرْصهنّ على التزيُّن عن إخفاء هذه الزّينة عن مَن لا يجب أن تظهر أمامه، وألّا يعتقِدْن أنّ المعايير التي تُعْرَض لهنّ، هذه المعايير بالغة المثاليّة.

هي معايير حقيقة واقعيّة قابلة للتطبيق؛ إذْ أنّ الواحدة مِن فتياتِ الإعلانات تلك تُكرِّس حياتها لجسدها، فهو وظيفتها بالأساس وهو رأسُ مالها، فلا تأكل ولا تلبس كلّ شيء، بل فقط ما يُظْهِر جسدها بالصّورة المنشودة، ورغم ذلك فإنّ صورهنّ لا تخلو مِن التعديل والإصلاح ببرامج الفوتوشوب! فكيف تُقارن فتاة طبيعيّة حياتها بواحدةٍ منهنّ؟ بل كيف تختار الجزء الأجمل مِن جسد كلّ واحدة وتُقارنه بجسدها، وهي واحدة وهنّ كثير؟ كيف تجعلُ معاييرها نساءٌ يبدينَ -رغم كلّ ما يفعلْنَهُ- مثاليّاتٍ في الصور فقط؟!

عوْدٌ على بدْء.. إلى المرأة التي صارَت سلعة، فصار (اليوتيوبرز) و (الفاشونيستات) و (المودلز) مِن أهمّ أركان المجتمع، وصارت هذه أقصر طريقٍ للشّهرة، اعتماد الجسد، وكلّ ما له علاقة بالجسد من ثيابٍ ومستحضرات تجميلٍ وأدوات عنايةٍ به، فصار الجسد أشْبَه بمعبود!

الصوت المسموع

لأجْل كلّ هذا وأكثر، لأجْل أن تتكلّم المرأة فيُسْمَعُ صوْت أفكارها لا صوْت جسدها، ولأجل أن تُقاس بأعمالها لا بعدد الأشبار التي تُنقِصُها مِن ثيابها، لأجل ألّا تُختَزل في جسد فاتن فقط، وحفظًا لها مِن أن تكون النّظرة الأولى إلى توزيع الدّهون في جسدها لا إلى عقلها وشخْصِها، وحمايةً للفضيلة للمجتمع، وصوْنًا لدينِ النّساء والرّجال – كان الحجاب. لأنّ الإسلام يعرف أنّ بإمكان أيّ امرأةٍ أن تنسفَ عقْل أعقَل الرّجالِ -إن شاءتْ- بأساليبٍ تُتقِنها بالفطرةٍ أو تتعلّمها بالمُشاهدة.. “ما رأيتُ مِن ناقصاتِ عقلٍ ودين أذْهَب لِلُبّ الرّجل الحازم من إحداكُنّ”، هذه شهادة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في حديثٍ يستدلّون به على التقليل مِن المرأة، بينما هو -في باطنه، على حقيقته- مدحٌ لها!

لذا كان الحجاب، لكيْ يقِفَ النّساء والرّجال على مِقْياس حُكْم لا فرْق فيه ولا مُحاباة على أساس الجسد، بل لتَقف جميع النّساء عليه بلا تفضيلٍ لإحداهنّ على اعتبار ما يظْهر منها.

كان الحجاب ليُعِزّ المرأة، وليرفَعها عن أن تكون مادّة إغواءٍ تتخفّف مِن قطَع ثيابها بحسَب ما تسعى للحصول عليه، ليُعليها عن أن تكون مجرّد جسدٍ أجْوَف بلا مبادئ ولا أخلاق تحمِيه من الانحدار في وحول الرّذيلة، لئلّا تُستَعْبد على أساس جسدها، ولئلّا يتحوّل المجتمع إلى سوق نِخاسةٍ كبير.

“ولا يُبْدينَ زينتهُنّ”، هكذا قال الله لنا، لأنّ محاولات لفْت انتباه كلّ مَن هَبّ ودبّ إلى جمال شيء، وقياس مدى جماله بعدد المُلتفتين – هو انتقاصٌ مِن هذا الجمال.

بقلم: رحمة أحمد

مدونة وطالبة جامعية