خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المشهد الأخير في حياة الحلاج

ancient paper mill
ID 83975048 © Marco Ledda | Dreamstime.com

كان المشهد الأخير للحلاج مؤثرًا للغاية، وبعيدًا عن الجدال الفكري الذي أثير حوله، فإن المشهد الذي وصفوه لنا ابن الساعي كان شديد التأثير، حيث ذكر لنا رواية إبراهيم بن فاتك الذي شهد الواقعة فقال: “لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيرًا حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبليّ فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريبًا منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالىلنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع…”، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى: “كل نفس ذائقة الموت…” (أخبار الحلاج).

وهذا المشهد يعد وصفًا دقيقًا، فالصليب منصوب، والحضور شاهدون للحدث الكبير، وبعض تلاميذ الحلاج يقفون ومنهم الشلبيّ الذي أعطاه سجادة ليصلي عليه ركعتين أخيرتين يختم بهما حياتهم، ويذكر بعض الأدعية يناجي بها ربه، ولم يستطع الشلبي حفظها كاملة أو تذكرها، ولكنه تذكر بعضها، ومما قاله: “اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّةوبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّبًا لدينك وتقرُّبًا إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سرًا(أخبار الحلاج).

حاول الحلاج بهذا الدعاء أن يفهم من حوله أنهم يخطئون في قتله، لأنهم لا يفهمون موقفه، واستخدم كلمات ملبسات عقدت الموقف أكثر وأكثر، وهنا اقترب منه السياف أبو الحارث، فقام بلطمه لطمةً شديدة، فهشم أنفه وسال منها الدم على لحية البيضاء، فما كان من الشلبي إلا أن مزق ثوبه وأقبل إلى علي أبي الحسين وعلى جماعة من الفقراء المشهورين. وهنا كادت الفتنة تطل برأسه فأمن الحرس الموقف واستعادوا الأمن.

وقد ذكر لنا قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ صورة عن هذا المشهد، حيث قال: “لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحًا بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال: نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت (الذي في السماء إله وفي الأرض إله). تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان…” (أخبار الحلاج).

وتلك الصورة تنقل لنا ما قبل مشهد مقتله، أي في الليلة السابقة على ذلك المشهد، حيث قام فصلى وذكر الله، وذكر أشياء تستعصي على الفهم أيضًا، وتلك الكلمات وأمثلها هي السبب الحقيقي في مأساة الحلاج، لأنها فُهمت على أنها مما يدحض في العقيدة ويحرض على ذكر صفات لله العلي لا تجوز.

ومن عجائب الحلاج التي حدث بها قبل هذا المشهد، ما ذكره إبراهيم بن فاتك حين دخل على الحلاج فوجد عينيه كشعلتي نار، فقال له الحلاج: “يا بنيّ إنّ بعض الناس يشهدون لي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون عليّ بالكفر أحبّ إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولِمَ ذلك. فقال: لأنّ الذين يشهدون لي بالولاية من حُسن ظنهم بي. والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبًا لدينهم، ومن تعصّب لدينه أحبّ إلى الله ممّن أحسن الظن بأحدٍ(أخبار الحلاج).

تلك بعضٌ من فصول المشهد الأخير من حياة الحلاج، وبعض ما سبقه من أحداث أوصلته إلى تلك النهاية.