خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المعاكسة والقذف وعاقبتهما

anandu-vinod-pbxwxwfI0B4-unsplash
Anandu Vinod-Unsplash

هناك بعض من يجدون في أنفسهم حكامًا ورقباء على عباد الله في أقوالهم وأفعالهم، فيستغلون أي حدث لكي يشيعوا الأقوال المشينة والأفعال الذميمة، ويطلقون ألسنتهم في أعراض العباد، ويتخذون منهم أداة للتسلية والثرثرة الجوفاء، فيقعون في ظلمة المعصية والقذف والقول بغير علم ولا شاهد أو دليل، ولعل من أبشع تلك الصور، ما يقع من قذف الناس بعضهم ببعض بإتيان الفاحشة، أو التعرض بالقول أو الفعل إلى إثارة الغرائز الكامنة.

وقذف الإنسان غيره بإتيان الفاحشة أو القيام بالمعاكسة والتعدي على الآخرين، يعد جريمة شنعاء أنكرها الشرع الحنيف وشدد عليها نتيجة ما تحدثه من أثر سيئ في المجتمع، فمثلاً نجد ابن قدامة في المغني يقول: “مَن قذف رجلاً بعمل قوم لوطإما فاعلاً أو مفعولاًفعليه حدّ القذف، وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك ومحمد بن الحسن وغيرهم“. وهذا يعني أن يجلد مَن يقذف الناس بغير حقّ حدّ القذف ثمانين جلدة.

وقد يجعل كثيرٌ من الشباب فيما يجدونه في نفوسهم من ميل محرم نحو الآخرين، سببًا مقنعًا للمعاكسة أو القذف والانهماك فيهما! ولم يعلموا أن الإغراق في أحلام اليقظة والانغماس في السُّعار اللاهث وراء الشهوات أمرٌ ليس وراءه نهاية، وليس له محطة واحدة، وإنما يحاول عبثًا السير وراء إثارة بعد إثارة دون الوصول إلى استقرار نفسي ومكانة اجتماعية مرموقة ومتميزة، وإلى رجولة متألقة تأسر الجميع بالسمت والاحترام.

ويعتبر المنهمكون في الانحراف أن المعاكسات ما هي إلا حرية شخصية وعلاقة بريئة تعتمد على الصداقة! وهذه كذبة كبيرة، وإن مما يدل على كذب أصحاب هذه الدعوى أنهم يرفضون في الوقت نفسه وبشدة قاطعة لا تقبل النقاش، أيَّ معاكسة بريئة تعتمد على الصداقة مع أقاربهم، وأخواتهم، بل حتى مع جداتهم…! فلماذا يخادعون الله وملائكته والناس أجمعين بمثل هذه المغالطات؟

إن كل المعاكسين كانوا يزاولون هذه الظاهرة في بداية الأمر تحت مظلة التسلية، والمغامرة والعبث والتنفيس، والصداقة البريئة، والجميع يدركون أن كلّ حوادث الفاحشة والفضيحة والعار مرت بهذه الخطوات، ولهذا كانت هذه الحيلة من أكبر حيل الشيطان نحو طريق الفاحشة والغواية.

وإذا نظرنا إلى ما سيجنيه مَن سلك سبيل الانحراف على نفسه وعلى غيره، وجدنا إن انتشار الفاحشة في المجتمع سبيلٌ إلى زيادة عدد اللقطاء، وأول مَن يجني عقبة الانحراف والفواحش هم أصحابها الذين شاركوا فيها، أو تساهلوا معها، يقول الشافعي رحمهُ الله:

يا هاتكًا حرمَ الرجال وقاطعًا      سُبل المودةِ عشتَ غيرَ مُكرمِ

لو كنتَ حرًّا من سلالةِ ماجدٍ       ما كنتَ هاتكًا لحرمةِ مسلمِ

مَن يزنِ يُزنَ به ولو بجداره        إن كنتَ يا هذا لبيبًا فاعلمِ

مَن يزنَ في بيتٍ بألفي درهم      في بيته يُزنَ بغير الدرهمِ

إن الزنا دَينٌ إذا أقرضته           كان الوفا من أهل بيتكَ فافهمِ

يقنع أصحاب الانحراف أنفسهم بأن ما يفعلونه إنما هو عن رضا الطرفين. ولكنهم ينسون أن مرضى الإيدز، والهربس، والسيلان، لم يعلموا بهذا الرضا، فيوقعون أنفسهم في قائمة طويلة من المعاناة الصحية والنفسية طوال حياتهم مع غضب الله عليهم، ومقت الناس لهم في الدنيا، وفضيحتهم في الآخرة.

وحين يتساءل أحدهم ويقول: وقعت في عالم الانحراف وما فيه من إعجاب متبادل، فكيف يمكن أن أتراجع بسهولة وأترك هذه المشاعر المرهفة والعلاقات المفعمة؟ إن الإجابة المقنعة سيقولها هو لنفسه بعد عشر سنوات تمرّ من عمره، وعندها سيدرك أن هذه الهالة من العواطف، والإعجاب المتهالك، لم تكن غير عبث صبياني، و خداع مبتذل، ومشاعر غير ناضجة، وانتهاك لحرمات البيوت، وتعدٍ لحدود الله، إن كل الشباب بعد الزواج يدركون أن أحلام الشباب ليست أكبر ولا أصغر، بل هي شيء يختلف تمامًا عن الزواج، والحياة الزوجية المفعمة بالحيوية والسعادة.يقنع أصحاب الانحراف أنفسهم بأن ما يفعلونه إنما هو عن رضا الطرفين. ولكنهم ينسون أن مرضى الإيدز، والهربس، والسيلان، لم يعلموا بهذا الرضا، فيوقعون أنفسهم في قائمة طويلة من المعاناة الصحية والنفسية طوال حياتهم مع غضب الله عليهم، ومقت الناس لهم في الدنيا، وفضيحتهم في الآخرة.