المعركة الأدبية بين جرير والفرزدق

فن 17 Ramadan 1442 AH محمود أبوقورة
جرير والفرزدق
Photo by Julia Volk from Pexels

اشتدت المعركة الأدبية بين جرير والفرزدق في كنف الدولة الأموية بالشام، وكانت بحق من أعنف المعارك الكلامية والشعرية على مدار التاريخ العربي والإسلامي قاطبةً؛ فلم يُذكر أن هناك معركة استمرت قرابة أربعين عامًا متصلة، مثل تلك التي دارت رحاها بين شاعرين ينتميان في النهاية إلى قبيلة واحدة، وهي تميم.

كانت المعركة الأدبية بين جرير والفرزدق شديدة الوطأة وكأنها حرب بالسيوف والرماح، بل أشد من ذلك؛ فقد ظل الشاعران يتهاجيان ويسب كلٌّ منها الآخر مدة أربعين سنة كاملة. وانقسم الشعراء من حولهما، فهذا يتعصب لجرير وذاك يتصعب للفرزدق، ونتيجة هذا التدافع لعدد كبير من الشعراء فقد سقط أغلبهم واندثروا، ولم يتبق منهم سوى الأخطل الذي عُرف بمناصرته للفرزدق على جرير.

النقائض الشعرية:

نشأت عن تلك المعركة الكلامية بين الشاعرين الكبيرين ما يُعرف في أدبنا بالنقائض الشعرية، وهو فن من الفنون الشعرية التي تعتمد على أمرين: الأول الهجاء ودحر الخصوم، والثاني: الحوار والمناظرة والرد على الشعر بشعر يماثله أو يتفوق عليه. وهكذا تظل رحى الحرب الكلامية مستعرة ومستمرة طوال الوقت. فإذا هجا أحدهم الآخر بقصيدة، قام الآخر بنظم قصيدة للرد عليه، وهكذا أصبحت الحرب معلنةً، وتتبع الناس فصولها يومًا وراء آخر.

وتبقى المشكلة الكبرى في هذه الحرب الكلامية بين الشاعرين، أنها ارتكزت على الهجاء، وطالت في بعض الأبيات الأعراض، فأخذ كل منهما يذكر أهل غيره بسوء، وهذا الشق من المحرمات التي اقترفتها أشعار النقائض بينهما. وكان جرير أشعر من الفرزدق، ولكنه كان ينتمي إلى الفرع الفقير في القبيلة، فظل الفرزدق يعايره بضعفه وفاقته وفقره. وكان الفرزدق سيدًا في قومه وصاحب مال، فظل يفتخر بأصله ومنبته، بينما رماه جرير بانعدام الأصل وأنه هجين وليس عربيًّا خالصًا مثله. فعندما يقول الفرزدق:

“أولئك آبائي فجئني بمثلهـــم…إذا جمعتنا يا جرير المجامع”

فإن جرير يرد عليه بقوله:

“قوم إذا حضر الملوك وفودهـم …نتفت شــواربهم على الأبواب”

ويقول الفرزدق في موضع آخر:

“ولو تـــرمى بلوم بنى كليب …نجــوم الليل ما وضحت لسار”

ولـــو يرمى بلؤمهم نهــــــار … لدنس لؤمهم وضــح النهـــــار”.

فيرد عليه جرير متهكمًا:

“لقد ولدت أم الفرزدق فاجـرًا … وجـاءت بوزواز قصير القوائم”

وما كان جار للفــرزدق مسلم … ليأمــن قــــردا ليلة غير نـائم”.

وهكذا كانت المعركة بين الطرفين، هذا يبدأ وذاك يرد، أو العكس. وكما نرى فإن جرير أنصع بيانًا وردًّا، وأوفى هجاءً وقدحًا، فلا تعوزه الحجة. ويبدو أنه عوّض النقص عنده بصرامة لسانه وقوة خطابه. وقد قيل عنهما: “إن جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر”.

محاولات الصلح بين جرير والفرزدق:

نتيجة اشتداد المعركة الكلامية بين الشاعرين وطول أمدها، فقد تدخل عدد كبير من الوجهاء والشعراء والأمراء لإيقافها ومصالحة الرجلين. حتى إن الخليفة “سليمان بن عبد الملك” قد تدخل بينهما للصلح ولكن دون جدوى، حيث سأل جرير: ما لكَ والفرزدق، فأجابه: إنه يظلمني. فردّ الفرزدق: رأيت آبائي يظلمون آباءه، فسرت فيه بسيرتهم. وهكذا أخذ العناد برأسهما، فلم تُفلح معهما الحيل. وقد قال فيهما أحد الشعراء المعاصرين لهما: “ذهب الفرزدق بالفخـــار وإنمـــا، حلو الكــــلام ومره لجرير”.

ومن الأمور الغريبة حقًّا أن تلك الخصومة لم تنكسر إلا بعد موت الفرزدق، حيث حزن عليه جرير حزنًا كبيرًا ونعاه بشعر فياض، قال فيه:

“فلا ولدت بعد الفرزدق حامــل … ولا ذات بعل من نفــاس تعلت”

هو الواقد الميمون والرائق الثائي … إذا النعل يوما بالعشيرة ذلت”.

ومن المواقف التي تروى للتدليل على المنافسة بينهما أن ثلاثتهم (الأخطل والفرزدق وجرير) اجتمعوا ذات يوم في مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان، وكان ممسكًا بكيس فيه خمسمائة دينار، وطلب من كل واحد منهم أن يمدح نفسه ببيت، والفائز سوف يأخذ الكيس، فقال الفرزدق: “أنا القطران والشعــــراء جربى … وفى القطــــران للجربى شفاء”. وقال الأخطل: فـــإن تــك زق زاملة فإنـــي  أنا الطاعــــون ليس لــــه دواء”. وقال جرير: “أنا المــوت الذى أتى عليكم … فليس لهـــــارب منى نجــــاء”. فقال الخليفة لجرير: “خذ الكيس، فلعمرى إن الموت يأتي على كل شيء”.

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي