خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المعماري “سنان باشا”

hamidiye camii mosque

يعد سنان باشا أحد المعماريين القلائل الذين أثروا في تاريخ العمارة العثمانية، فقد أصبح بالغ الصيت وله جهود لا يستهان بها، عاصر خمسة من السلاطين وامتد عمره لما يقارب المائة عام. ولِدسنان باشاعام 1490 م  في عهد السلطان بايزيد الثاني بن محمد الفاتح، وعرف منذ صغره بحبه لشقّ قنوات المياه في الحدائق، وشغفه ببناء الأكواخ.

وقد تلقى تعليمه حتى أكمل دراسته في مدرسة العمارة، والتي تعلّم فيها وتربّى كبار المعماريين. وفي فترة الازدهار والقوة في عهد السلطان سليمان القانوني، برز وظهر المعماري سنان الذي رافق السلطان في فتوحاته الأوروبية بمنطقة البلقان، باعتباره مهندسًا عسكريًّا كذلك.

ومن الأمور التي أثرت في فنه، أنه استطاع الاطلاع على العمارة الأوروبية التي عُرف عنها تميزها بالضخامة والاهتمام بالزينة والزخارف، بالإضافة إلى اطلاعه على العمارة السُلجوقيّة في الأناضول، وقد أخذ المفهوم المعماري الإسلامي من تلك المدرسة، وتأثر بما شاهده من العمل المعماري الديني الضخم المتمثل في كنيسة أيا صوفيا، وبذلك جمع ثلاث مدارس في الفن المعماري: المدرسة الأوروبية، والمدرسة السلجوقية، والمدرسة البيزنطية.

وكان عام 1538 م من السنوات المهمة في حياة سنان باشا،  فقد عُين كبير المعماريين الرسميين في الدولة العثمانية. وقد وصل سنان إلى القمة في عالم البناء والتشييد في جامع السليمية الذي يعد أعظم ما بُني حسب رأي خبراء العمارة، وقد شيّده بناءً على أمر من السلطان سليمان الثاني الذي خلف والده سليمان القانوني في الخلافة العثمانية. وقد اختار سنان لبنائه الجامع أعلى ربوة فيأدرنة، وذلك حتى يمكن مشاهدته من أنحاء المدينة كافةً، وبدأ في بنائه سنة 1568 م، وكان عمره آنذاك أربعة وثمانين عامًا، وانتهى منه بعد ست سنوات، وقد أقام هذا الجامع ليكون أكثر علوًا من قبة أيا صوفيا بست أذرع, وأكثر عمقًا بأربع أذرع.

وعمد سنان إلى تغطية الجامع كله بقبة واحدة يصل قطرها إلى 31,25 متر دون اللجوء إلى أنصاف القباب التي كان قد استخدمها من قبل في جامع شاه زاده والسليمانية. وترتفع كل مئذنة من مآذن الجامع الأربع  نحو 70 مترًا، وهي دقيقة نحيلة، كما أنها من أعلى المآذن في العالم، وتقع واحدة منها في زاوية من زوايا الجامع الأربع، وكل منها لها ثلاث شرفات، وتتميز المئذنتان الواقعتان ناحية الباب الرئيس، بأن لكل شرفة من شرفاتهما الثلاث سلالم مستقلة. أمّا المئذنتان الأخريان فلكل منهما سلم واحد، ومنبر الجامع وميضأته من الرخام، وكتب خطوطه المولوي حسن بن قره، والجامع مبني من عدة مرافق خاصة به.

كانت أعماله مصدر فخر وعزة، لكثرتها وروعتها، إذ لم تقتصر أعماله التي بلغت 441 عملاً معماريًّا على العاصمة، بل شملت العديد من أنحاء الدولة العثمانية، فشيّد جامع محمد باشا اليوسيني في صوفيا عاصمة بلغاريا، وجامع خسرو باشا المعروف بجامعالخسراويةفي حلب، وجامع السلطان سليمان. وقد استطاع بذلك كتابة اسمه في كتب التاريخ باعتباره المعماري الذي نهض بالعمارة العثمانية ووصل فيها إلى أوج مجدها.

رزق الله سنان باشا حياة طويلة امتدت إلى ما يقرب من مائة عام، وعاصر فيها خمسة من السلاطين العثمانيين، وهم: بايزيد الثاني، وسليم الأول، وسليمان القانوني، وسليم الثاني، ومراد الثالث. وقد توفى بعد حياة مليئة بالعمل والإنجاز المعماري الخالد في عام 1588 م، وقد ترك لنا آثارًا لا تخطئها العين، وذكرى طيبة بديعة وفنًّا معماريًا لا نكاد نجده عن كثيرين غيره.

إن الفن الحقيقي المبني على العمل والإبداع الخالص هو الذي يبقى عبر العصور والأجيال، ولعل سنان باشا من أولئك الذين خلد التاريخ ذكراهم وأعمالهم.